ديسمبر 25 2009

خطوات ممكنة لإصلاح الإعلام في ظل حكومة الرفاعي

نشرت بواسطة الساعة 2:03 م تحت فئة اﻷردن -

* بقلم داود كتاب

يبدو أن إصلاح وتنظيم وسائل الإعلام في الأردن هو من أحد أولويات حكومة سمير الرفاعي الذي يعتبر صديقاً للكثيرين من الصحفيين والمحررين والناشرين.

فكما هو الحال في جميع الجهود التي تسعى نحو مزيد من حرية الصحافة، فإن اثنتين من المبادئ العالمية يجب تذكرها دائماً، الأولى هي أن الصحفيين يمقتون زيادة في التشريعات مهما بدت إصلاحية. فالمدافعون عن حرية الصحافة في العالم يطالبون مرارا وتكرارا بتشريعات أقل وإلى تنظيم ذاتي أكثر. أما الأمر الأخر فهو أن الحكومات، مهما كانت دوافعها، ليست مؤهلة في إنتاج محتوى إعلامي بنوعية ومهنية ذات مستوى.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذه المبادئ لا تترك إلا القليل لإدارة الرفاعي للعمل بها، ولكن الواقع مختلف تماماً. في مقالة هامة كتبتها الزميلة رنا الصباغ، أظهرت أن الحكومة الأردنية يمكنها أن تفعل الكثير لتحسين صناعة الإعلام دون خلق قوانين إضافية. بل بدلا من ذلك، فأن هناك عددا من التشوهات في قانون الصحافة والمطبوعات وقانون المرئي والمسموع الحلية مما يجب إزالته.

ولكي نكون منصفين، فإن اهتمام رئيس الوزراء ووزير الدولة لشؤون الإعلام فيما جاء بمقال الصباغ هو أمر مرحب به. وقد جاء التوقيع على مدونة خاصة للوزراء وعلاقتهم مع الإعلام كبادرة هامة في هذا المجال إلا أن هناك الكثير الذي يجب عمله.

تقول الصباغ إن الحكومة لا تزال تملك أسهم في صحيفتين رئيسيتين (الرأي والدستور ومن خلال الضمان الاجتماعيِ) وتسيطر كليا على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، كما تظهر محاباة تجاه بعض وسائل الإعلام ومراكز التدريب والصحفيين، وقد تم توثيق هذه العلاقات بصورة جيدة من خلال بحث أجراه عريب الرنتاوي في مركز القدس للدراسات السياسية، حيث أظهرت الدراسة أن 65 % من الصحفيين الأردنيين قد حصلوا على وظائف حكومية ومنح وهدايا وإعفاءات جمركية أو غيرها، وأن نصف كتـّاب الرأي الأردنيين وكبار المحررين أفادوا أنهم كانوا يتعرضون لأشكال مختلفة من “الاحتواء الناعم” من قبل كل من المسؤولين الحكوميين والسلطة التشريعية أو القطاع الخاص.

هناك ما لا يقل عن ثلاثة قوانين متعلقة مباشرة بالإعلام تشمل تشوهات واضحة في مضمونها، فقانون الصحافة والمطبوعات لا يشمل بنودا واضحة تمنع حبس الصحفيين بسبب آرائهم، على الرغم من أن جلالة الملك عبد الله الثاني قد دعا علناً إلى وضع حد لسجن الصحفيين إلا أن هذا لم يتم ترميزه في القانون. ويتضمن القانون عدد كبيرً من المحرمات. فأي خبر أو مقال ينتقد قادة الدول العربية أو الدول الصديقة الأخرى أو الذي من شأنه أن يهز الثقة في العملة الوطنية أو يعتبر ضد الوحدة الوطنية هو من المحظورات. المشكلة تكمن في أن هذه الأمور قد تكون لها تفسيرات كثيرة،

أما قانون مؤسسة الإذاعة والتلفزيون فقد فشل أيضاً في إزالة التشوهات التي سمحت لهذه المؤسسة الإعلامية أن تصبح بالحقيقة مؤسسة للخدمة العامة، فما زالت الحكومة تفرض على كل بيت في الأردن ضريبة شهرية قيمتها ديناراً واحداً كرسوم ترخيص التلفزيون من خلال فاتورة الكهرباء، ومع ذلك، فإن نصف هذا المبلغ يعطى، في الواقع، لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون، والتي تم تشجيعها من قبل الحكومة على جمع الأموال عن طريق الإعلانات لتغطية العجز، ويعكس ذلك إخفاقاً في أن تكون للحكومة شفافية في التعامل مع أموال دافعي الضرائب، والذي من شأنه أن يسبب تشوهات لعدم السماح لجميع وسائل الإعلام أن تكون لها فرص متكافئة، وقد ينطبق قانون كقانون مكافحة الربح غير المشروع على هذا التعامل.

والقانون الثالث الذي يشمل تشوهات، هو قانون نقابة الصحفيين الذي يجعل عضوية الصحفي إلزامية على الرغم من أن النقابة لا تشمل صحفيي الإعلام الالكتروني والمرئي والمسموع ويشمل أعضاء النقابة عاملين وأصحاب وسائل الإعلام في ان واحد مما يعتبر مخالفا للعمل النقابي المستقل .

وعلى المستوى التنظيمي، فإن قانون المرئي والمسموع الجديد سمح بترخيص العشرات من الإذاعات والمحطات التلفزيونية المحلية (غالباً ما تتخذ العاصمة مقراً لها) ولكن ليس من الواضح إذا كانت هذه المحطات ستستطيع أن تستمر على المدى البعيد. وعملياً، فإن عدد قليل استخدام منافذ قانونية أسفرت عن جباية مداخل إعلانية كبيرة و في أيدي مجموعة صغيرة ومختارة من المحطات بسبب غياب الفرص المتكافئة.

إحدى المحطات الإذاعية،على سبيل المثال، “إذاعة فن”، تملكها القوات المسلحة، قد استفادت من نظام الاتصالات العسكري الذي مكنها من الوصول إلى أبراج البث الإذاعي في كافة أرجاء الأردن، وكذلك الأمر مع محطة أخرى هي إذاعة أمن أف. أم للشرطة، التي تملك حرية الوصول إلى جميع ضباط الشرطة وتقارير دائرة السير قبل أية جهة آخر. لا توجد مشكلة هنا ولكن إعطاء ميزات لبعض المحطات والسماح لها بالإعلان يعتبر مخالف لمبدأ الفرص المتساوية في العمل التنافسي. وقد يكون الاهتمام بالمنافسة سبب رفض محطة أمن إف أم علانية مشاركة تقارير حركة المرور القادمة من مروحيات الشرطة أو من مقرها مع محطات أخرى تحت عذر الدواعي الأمنية.

يقول المسئولون في الجيش والشرطة إن لديهم الحق أن يستثمروا في وسائل الإعلام أسوة بالقطاع الخاص. ولكن وجود واستمرار والنجاح المالي لمثل هذه المحطات، والتي أصبحت ممكنة بفضل دعم دافعي الضرائب والإعفاءات الحكومية، ليس محفزا للمنافسة الشريفة في صناعة المرئي والمسموع.

وفي خضم هذا كله، فإن القليل يولي اهتماماً حقيقياً لخدمة المجتمع من خلال وسائل إعلام مجتمعية. لقد أظهر البنك الدولي مرارا وتكرارا أن معدلات الفقر قد اختفت في المجتمعات ذات الإعلام المجتمعي القوي.

قانون المرئي والمسموع يحبذ الإعلام الترفيهي على الإعلام الذي يعالج القضايا المحلية، إذ أن رسوم بنسبة 50 % إضافية تقتطع من أية محطة ترغب في بث الأخبار أو البرامج السياسية (وهو في الواقع أكثر كلفة من البرنامج الترفيهي).

قانون المرئي والمسموع يجب أن يعدل وفكرة معاقبة المحطات التي تبث أخباراً محلية سياسية يجب أن تلغى، بل على العكس من ذلك، يجب منح تخفيضات في رسوم أية محطة إذاعية غير هادفة للربح والتي تهتم في خدمة الشأن العام.

مصادر عليمة في حكومة الرفاعي أشارت إلى أن أكثر القضايا إلحاحاً للتعامل معها هي الشعور بأن الحكومة قد فقدت سيطرتها على عشرات المواقع الإخبارية على الانترنت التي تكاثرت جداً في آخر سنتين، وبينما تقع بعض هذه المواقع ضمن إطار الاحتواء الناعم، فإن الطبيعة غير المسبوقة في تعليقات أشخاص ذات المصدر المجهول، قد أصبحت مصدرا للقلق، لأنها تفتقر إلى الروح المهنية التي أبداها بعض أصحاب المواقع الذين يستخدمون نفوذهم لابتزاز المؤسسات والشركات الخاصة في الإعلان على مواقع الويب الخاصة بهم وإلا يطلقون العنان لسلسلة من الهجمات.

إن الحكومة تدرس فكرة إما زيادة أمر المواقع الإلكترونية إلى قانون الصحافة والمطبوعات أو إصدار قانون جديد يعالج قضايا الإجرام عبر الانترنت. وكلا الخيارين قد لا يعالجان المشكلة، وعلى الأرجح، سيقلص أهمية المناقشات المخلصة العامة.

ما نحتاجه هو أن توقف الحكومة تماما احتواءها لبعض هذه المواقع، وأن تشجع نوعاً من التنظيم الذاتي في هذا الاتجاه، وفي هذا المضمار لا شك أن دعوة الزميل سمير حياري مالك موقع عمون للمواقع الاليكترونية للاتفاق على ميثاق شرف تسجل كبادرة جيدة يجب العمل على إنجاحها.

من الواضح إذا أن حكومة الرفاعي تستطيع العمل على عدة أصعدة للتحسين والمساعدة في تنظيم الإعلام. المطلوب هو التفاف الاعلامين مع الجهات الحكومية بهدف التطور والنجاح في استقرار وتطور الإعلام في الأردن دون المساس بحريته وصولا لقول جلالته نريد “إعلام سقفها السماء.”

 

* مدير عام شبكة الإعلام المجتمعي والتي تدير راديو البلد وموقع عمان نت

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .