يونيو 23 2007

محمود عباس والجوار الرديئة

نشرت بواسطة الساعة 3:40 م تحت فئة السياسة الفلسطينية -

عن موقع بروزيكت سينديكت

محمود عباس والجوار الرديئة

داوّد كُـتّـاب

بعد أن أصبحت غزة قاب قوسين أو أدنى من الانزلاق إلى حرب أهلية، فإننا لنشفق على الرجل المسكين محمود عباس ، الذي تولى رئاسة السلطة الفلسطينية منذ عامين ونصف العام، بعد وفاة ياسر عرفات . لقد حاول عباس ، باعتباره رجلاً أكاديمياً، قدر إمكانه أن يقود الشعب الفلسطيني بالكياسة والاحترام، والالتزام بمبادئ الديمقراطية، ونبذ العنف.

إلا أن الفرصة لم تسنح له قط. ذلك أن خصومه من الفلسطينيين، سواء في فتح أو من بين الإسلاميين في منظمة حماس، فضلاً عن الإسرائيليين، اعتبروا كياسة عباس ودماثته ضعفاً.

لقد قدم عباس أسلوباً مختلفاً تمام الاختلاف عن الأسلوب الذي كان يتبناه عرفات في الإدارة. فلم يكن أبو عمار (الاسم الحركي الثوري لعرفات)، الذي ظل مرتدياً زيه العسكري حتى آخر أيامه، يرى أن الوقت قد حان لكي يتحول إلى رئيس مدني بينما ما زال الاحتلال الإسرائيلي مستمراً. أما عباس ، الذي يرتدي حُـلة وربطة عنق، فقد اعتمد أسلوباً محترفاً يشبه النمط الغربي في الرئاسة، إلا أنه لم يكن يدري كيف يتعامل مع القاعدة العامة من المقاتلين.

من بين أوائل التعليقات التي سمعتها من الصحافيين أن عباس ، الرجل العائلي، يذهب إلى بيته في وقت الغداء ويعمل أثناء ساعات العمل العادية. أما كنيته ” أبو مازن ” فهي ليست اسماً حركياً ثورياً، إلا أنها تعكس تقليداً في مناداة الشخص بأبي ولده الأكبر. ويدير ولده مازن وكالة إعلان محلية.

وأثناء محاولاته لعلاج التركة التي خلفها عرفات من الفساد السياسي والإدارة المتمركزة الشاملة، خسر عباس كل الفرص الممكنة للحصول على ولاء قيادات فتح، والمسئولين المعينين حديثاً في السلطة الفلسطينية، وأفراد الأمن، وفي المقام الأول، المقاتلين المحليين. وكانت دعوته إلى عقد انتخابات وطنية، على الرغم من صوابها سياسياً، بمثابة انتحار سياسي، وذلك لأنه كان يفتقر إلى أي تصور عن النتائج المحتملة لهذا التحرك، كما أنه لم يبذل قدراً كبيراً من الجهد لضمان انضباط فتح. ولقد أدت محاولته لاختيار مرشحين من فتح في انتخابات أولية إلى نتائج عكسية، نتيجة للتزوير ورفض الخاسرين لقبول النتائج. ولقد أدى ذلك إلى انقسام أصوات فتح بين مرشحيها المتنافسين، الأمر الذي سمح لحماس بتسجيل انتصار سهل.

كانت المفاوضات مع الإسرائيليين من بين المناطق التي تصور عباس ، الذي قاد عملية أوسلو التي أسفرت عن تأسيس السلطة الفلسطينية، أنه قد يؤدي فيها أداءً طيباً. ولكن على النقيض من أوسلو، حين كان عباس يعمل تحت زعامة عرفات وكان قادراً على إبراز قوته من ذلك المنطلق، فقد اختلف الأمر الآن، حيث أصبح، باعتباره رئيس فلسطينياً، مفاوضاً ومركزاً مفترضاً للقوة في ذات الوقت. ولقد أدرك الإسرائيليون ضعف عباس في مرحلة مبكرة، وبمجرد انتخاب حماس بأغلبية ساحقة، لم يعد لديهم الحافز الكافي لمساعدته، على الرغم من حث الولايات المتحدة لهم على القيام بذلك.

ولم يكن عباس ضعيفاً على الصعيد السياسي فحسب، حيث لم يكن لديه سوى عدد ضئيل من الأصدقاء بين مقاتلي فتح، بل لقد عجز أيضاً عن إظهار قدر كبير من الاهتمام بما كان يحدث في غزة. وكان يقضي أقل وقت ممكن هناك، مفضلاً مكتبه في رام الله بالضفة الغربية، ومنفقاً وقته مع الساسة من زواره والاجتماع بزعماء العالم، سواء في الضفة أو في الخارج. وعلى الرغم من كونه قائداً عاماً للقوات المسلحة الفلسطينية، إلا أن هذه القوات كانت تفتقر إلى الإرادة اللازمة للتصدي لقوة حماس المتنامية.

كان الحصار الاقتصادي الذي فُـرِض على فلسطين في أعقاب فوز حماس سبباً في إصابة عباس بالمزيد من الضعف. فبعد أن لم يعد لديه من الموارد ما يكفي لتغطية رواتب المدرسين (أو حتى العاملين في الأجهزة الأمنية)، أصبح نفوذه محدوداً للغاية، حتى على حرسه الرئاسي. أثناء اجتماع، كنت قد حضرته، مع وفد من المعهد الصحافي الدولي، في إطار محاولات إطلاق سراح ألان جونستون مراسل البي بي سي الذي كان قد اختطف في غزة في شهر مارس/آذار، شرح عباس لأعضاء الوفد مدى عجز وضعف السلطة الفلسطينية، وذكر لهم كيف أن قواته الخاصة لم تتمكن من تجديد معداتها أو الحصول على الذخيرة الضرورية للغاية، طيلة سبعة أعوام.

ومن عجيب المفارقات هنا أن الإسرائيليين ومؤسسات المجتمع الدولي، الذين عملوا على تجميد مصادر التمويل الفلسطيني، كانوا يطالبون عباس بالاستمرار في فرض سيطرته على قوات الأمن، على الرغم من خسارة فتح في الانتخابات البرلمانية. لقد فرضت إسرائيل والولايات المتحدة حصاراً فعلياً على فلسطين، حيث ترفض إسرائيل إعادة الضرائب المحصلة، وتضغط الولايات المتحدة على المصارف العالمية لحملها على عدم الاعتراف بتوقيع وزير المالية الفلسطيني. والسبب المعلن وراء هذا هو رفض حماس الاعتراف بإسرائيل. إلا أن أغلب الدول العربية أيضاً لا تعترف بإسرائيل، ومع ذلك تتعامل معها المصارف العالمية بصورة طبيعية.

في مستهل الأمر كان اتفاق التسوية وتقاسم السلطة الذي رعته المملكة العربية السعودية يبدو وكأنه حل معقول. فطبقاً لاتفاق مكة الذي تم التوقيع عليه في شهر فبراير/شباط الماضي، كان على حماس أن تتنازل عن بعض الوزارات المهمة، مثل وزارة المالية، ووزارة الداخلية، ووزارة الخارجية، بينما تعهد عباس بالعمل على إنهاء الحصار الاقتصادي. ولكن بعد أربعة أشهر من توقيع الاتفاق لم يُـرفع الحصار، والآن يشعر وزراء حماس (مثل وزير الخارجية السابق محمود الزهار ووزير الداخلية سعيد صيام ) الذين أرغموا على ترك الوزارة، بأنهم وقعوا فريسة للخيانة، ويطالبون بالعودة إلى مناصبهم.

إذا كان الإسرائيليون والمجتمع الدولي يريدون أن يظل عباس على رأس السلطة، فلابد وأن يعملوا على تغيير توجهاتهم جذرياً، برفع الحصار الاقتصادي وتوفير الدعم العسكري والسياسي لرئاسة عباس . وإذا كان الإسرائيليون مقتنعين حقاً بأن عباس أضعف من أن يتمكن من القيام بأي عمل، فيمكنهم مساعدة الفلسطينيين بإطلاق سراح رجل فتح القوي مروان البرغوثي من سجنه في إسرائيل.

وإلا فلن يصبح أمام عباس أي بديل غير الأخذ بنصيحة البروفيسور الفلسطيني البارز علي جرباوي ، الذي اقترح ببساطة أن يلجأ عباس إلى حل السلطة الفلسطينية وإعادة السلطة إلى الإسرائيليين، الذين ما زالوا مسئولين قانونياً وسياسياً عن المناطق التي احتلوها في العام 1967.

داوود كُـتّاب المدير الفلسطيني لمعهد الإعلام الحديث بجامعة القدس في رام الله.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2007.
www.project-syndicate.org
ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .