فبراير 15 2007

الوحدة لا تكفي

نشرت بواسطة الساعة 12:12 م تحت فئة السياسة الفلسطينية -

بقلم داود كتاب

إن اتفاق المصالحة بين قادة الجماعتين الفلسطينيتين الرئيستين، حماس وفتح، والذي تم التوصل إليه في المملكة العربية السعودية يحظى بقدر كبير من الترحيب والثناء باعتباره إنجازاً سياسياً كبيراً. إلا أن حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت نتيجة لهذا الاتفاق تواجه العديد من التحديات المروعة. إن هذا الاتفاق لابد وأن يعقبه بذل الجهود لإنهاء الحصار المضروب على فلسطين اقتصادياً وإدارياً، هذا فضلاً عن الانخراط في محادثات سلام جادة مع إسرائيل بهدف إنهاء 39 عاماً من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة. وفي الداخل لابد وأن تحرص الحكومة الجديدة على دفع الرواتب لموظفي الخدمة المدنية، واستعادة القانون والنظام، وإنهاء الفوضى التي تحولت إلى قاعدة سائدة في المناطق الفلسطينية.

لقد بدأ الصراع الداخلي في فلسطين كنتيجة للطريق السياسي المسدود الذي آلت إليه الأمور بعد أن فرضت إسرائيل والمجتمع الدولي حظراً اقتصادياً على السلطة الفلسطينية. ولقد بدأ هذا الحصار الاقتصادي، الذي شاركت في فرضه بحماسة حتى البنوك العربية والإسلامية، بعد أن رفضت حكومة حماس الجديدة قبول المطلب الذي نادت به “اللجنة الرباعية” ـ الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وروسيا ـ والذي يتلخص في اعتراف حماس بإسرائيل، وقبول كافة الاتفاقيات السابقة مع إسرائيل، وإدانة الإرهاب.

اشتكى الفلسطينيون من أن المجتمع الدولي لم يتعامل معهم على نحو عادل، وذلك ببساطة نتيجة لعدم رضا المجتمع الدولي عن النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات الحرة النزيهة التي جرت في المناطق الفلسطينية، والتي فازت بها حماس فوزاً ساحقاً. ولقد عجزت الحكومة التي تشكلت في أعقاب انتخابات يناير/كانون الثاني 2006 عن دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية بسبب الحصار المصرفي الدولي ورفض إسرائيل تحويل ملايين الدولارات التي جمعها دافعو الضرائب لمصلحة الشعب الفلسطيني.

في شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، وبعد أشهر من عدم دفع الرواتب، أصبحت الحكومة التي يترأسها إسماعيل هنية في مواجهة تحد خطير ، حين أضرب موظفو الخدمة المدنية عن العمل، وطالبوا بتسلم رواتبهم. وهنا خرجت الخلافات القائمة بين الإدارة الرئاسية التابعة لمنظمة فتح تحت زعامة محمود عباس وبين حكومة حماس الإسلامية، إلى الشوارع. ويبدو أن تهديدات عباس بعقد انتخابات مبكرة لحل الأزمة كانت بمثابة صب الوقود على النار.

ومع ارتفاع معدلات البطالة، وهبوط الدخول إلى مستويات متدنية غير مسبوقة، وتصاعد التوترات الداخلية، اندلع الاقتتال بين مؤيدي حماس ومؤيدي فتح. وكانت محاولات الإصلاح بين الطرفين قد بدأت في غزة، قبل أن تنتقل إلى القاهرة، ثم دمشق، وأخيراً مكة تحت إشراف الملك السعودي عبد الله ، الذي كانت بلده بمثابة السند المالي للفلسطينيين لعدة عقود من الزمان.

من بين أهم التحديات التي ستواجه الحكومة الجديدة محاولة إقناع المجتمع الدولي باحترامها للاتفاقيات الفلسطينية السابقة. وهذا يتضمن الاعتراف المتبادل المتفق عليه بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، فضلاً عن اتفاقيات أوسلو. ومن خلال الإعلان عن قبول الاتفاقيات السابقة ودعم مبادرة السلام العربية، سوف يصبح في إمكان الحكومة الجديدة إعادة الحالة الاقتصادية الطبيعية إلى السلطة الفلسطينية المحرومة من الإمدادات النقدية.

إلا أن المال لا يشكل الاحتياج الوحيد. فلابد أيضاً من احترام تفاهم وقف إطلاق النار بين الطوائف الفلسطينية وإسرائيل، وذلك من خلال التزام الطرفين به والتعجيل بعملية سياسية موازية. إن المجتمع الدولي، وبصورة خاصة الولايات المتحدة، يقدم دعماً شفهياً لمحاولات البدء في محادثات إسرائيلية فلسطينية جادة. وتمهد اتفاقية مكة الطريق أمام عباس للتفاوض بشأن إنهاء الاحتلال. وهذا يعد بمثابة اختبار لصدق عزيمة إسرائيل والمجتمع الدولي فيما يتصل بالرغبة في تحقيق تقدم ملموس على مسار إعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض.

إلا أن حكومة الوحدة الوطنية التي شكلت مؤخراً تواجه تحدياً هائلاً آخر. فإذا ما كانت الرغبة قائمة في تجنب العودة إلى أعمال العنف السياسي وتدمير الممتلكات، فلابد من انتهاج سياسة جديدة في التعامل مع الأمن الداخلي. ولابد من السيطرة على الميليشيات المتعددة، والجماعات، والعصابات، والأفراد الذين يمتلكون الأسلحة ويستخدمونها. ويتعين على حكومة الوحدة الوطنية الجديدة أن تصر على إنشاء قوة مسلحة موحدة تعمل بمفردها.

ومن أجل إنهاء حالة الانفلات الأمني يتعين على القيادات الأمنية الفلسطينية أن ترفع الحصانة عن الأفراد المسلحين الذين كانوا يستخدمون أسلحتهم في إيذاء الناس وقتلهم وتدمير الممتلكات. ومن الضروري أن يكون القانون والنظام على رأس أولويات حكومة الوحدة الوطنية، وذلك بسبب الحاجة إلى استعادة ثقة الشعب الفلسطيني في الزعامات الفلسطينية من كافة الطوائف.

كان العام الماضي واحداً من أصعب الأعوام في التاريخ الفلسطيني الحديث. فلأعوام طويلة كان العالم يحسد الشعب الفلسطيني على نسيجه الاجتماعي القوي الذي ظل متماسكاً على الرغم من الاحتلال. وبذلك الحس القوي بالهوية الوطنية، كان الفلسطينيون يتباهون باجتماعهم على هدف واحد يوحد بينهم: ألا وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتأسيس دولة مستقلة وديمقراطية.

إلا أن الاقتتال الداخلي، الذي دام طيلة الأشهر الأخيرة، خلف جُرحاً بليغاً بين الفلسطينيين. وإذا كنا نريد لهذا الجرح أن يندمل فلابد من بذل كافة الجهود الممكنة لاستعادة العافية الاقتصادية، ودعم الأمن الداخلي، وتحسين العلاقات الفلسطينية بالدول المجاورة والمجتمع الدولي.

 

داوود كتاب مدير معهد الإعلام الحديث بجامعة القدس في رام الله.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .