نوفمبر 18 2006

ثورة الجزيرة تكمل عامها العاشر

نشرت بواسطة الساعة 4:20 م تحت فئة مقالاتي,اﻹعلام الناشط -

داود كتاب

منذ بداية ظهورها كانت القناة الفضائية الجديدة التي تبث برامجها من قطر تعكس اسمها. كانت الجزيرة بمثابة الملاذ للبرامج المحترفة المستقلة التي تتعامل مع الشؤون الجارية في بحر متلاطم من أجهزة الإعلام العربية ذات الرأي الواحد والتي تسيطر عليها الحكومات. وقبل أن يصل طاقم الصحافيين العاملين في الجزيرة، والذين تلقى أغلبهم التدريب في الـ بي. بي. سي ( BBC )، إلى المشهد، كانت المادة الإخبارية التلفزيونية التي يتلقاها المواطن العربي لا تزيد على أخبار المراسم والبروتوكولات، ومقاطع فيديو تعكس آخر أنباء الصراع الفلسطيني، وصور مأساوية للزلازل أو الحرائق المدمرة.

لم تكتف الجزيرة بتقديم المقابلات الحية والبث المباشر من الميدان؛ بل لقد قدمت أيضاً مفهوم الحوار الحي المباشر إلى العالم العربي. وكان برنامجها “الاتجاه المعاكس” بمثابة ميدان للمثاقفة اللفظية التي تعتبر من الأمور المعتادة في كل العالم، إلا أن العرب لم يشاهدوا مثل هذه البرامج تبث على شاشات التلفاز من قبل. ومن بين الضيوف الذين أحضرهم فيصل قاسم إلى الاستوديوهات في الدوحة (أو حاورهم عن طريق القمر الصناعي) أشخاص من نفس الدولة العربية أو المنطقة إلا أن كلاً منهم يمثل وجهة نظر متضاربة مع الآخر تماماً.
وبينما كانت الأخبار والبرامج المحترفة القوية الجريئة تزود المشاهدين بقناة تلفزيونية متفردة، فقد تطلب الأمر التعرض للصراعات العالمية الكبرى حتى نالت الجزيرة استحسان جماهير مشاهديها. وكانت تغطية الجزيرة لأحداث مثل الانتفاضة الفلسطينية، والهجمات الإرهابية التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن في سبتمبر 2001، وغزو أفغانستان والعراق، بمثابة المحرك الذي دفع الجزيرة إلى الانتشار العالمي.

في أعوامها الأولى احتفي بالجزيرة باعتبارها منفذاً إعلامياً رائداً للإصلاح في العالم العربي، إلا أنها اتهمت في ذات الوقت بالتحريض على الصراعات الداخلية وإثارة النزاعات. ولقد حاول كل حاكم عربي تقريباً، في وقت أو آخر، إسكات صوت قناة الجزيرة عن طريق إغلاق مكتبها المحلي والضغط على حكام قطر من أجل تكميم أفواه صحافييها الأحرار. إلا أن أياً من هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح. بل كان في تلك الضغوط في واقع الأمر إضافة إلى شعبية القناة بين المشاهدين العرب.

في مستهل الأمر أبدت الولايات المتحدة تأييداً لقناة الجزيرة. وكان مبدأ القناة في تشجيع الإصلاح الديمقراطي وتغطية مختلف وجهات النظر منسجماً مع تصريحات السياسة الخارجية للولايات المتحدة. إلا أن هذا تغير تماماً في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، حين بدا من الواضح أن تغطية القناة للأحداث التي تشتمل على ضحايا مدنيين لقنابل الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان (علاوة على أسرى الحرب) سوف تكون أشد كثافة من الجرعة التي تقدمها الآلة الإعلامية الغربية.

وحين التقى مراسلو الجزيرة بأسامة بن لادن ، وبثت القناة لقطات له بالفيديو، كشرت الولايات المتحدة عن أنيابها. فبادر مسئولون رسميون في الولايات المتحدة إلى ذم القناة والحط من قدرها. ولكن كلما ازدادت كثافة هجوم الولايات المتحدة والأنظمة العربية الاستبدادية على القناة، كلما أصبحت القناة مرآة تعكس بعض التوجهات الإسلامية المتطرفة. وفي سياق الرسوم الكاريكاتورية الدنمركية والجدال الأخير الذي أثير بشأن تصريحات البابا، كان من الواضح أن القناة تصنع الأخبار بدلاً من تغطيتها.

على الرغم من الشعبية التي تحظى بها قناة الجزيرة إلى أنها لم تنجح على الصعيد المالي. فقد أدت عداوة السعوديين للقناة ومالكيها من القطريين إلى المقاطعة. ولقد بادر السعوديون بأساليب واضحة إلى إبلاغ الجهات المعلنة متعددة الجنسيات، والتي لا تستطيع أن تتحمل خسارة السوق السعودية الضخمة، أنها سوف تخسر عقوداً ضخمة إذا ما أعلنت في قناة الجزيرة. إلا أن مالكي القناة من ذوي الثروات الضخمة، سارعوا إلى إضافة محطة للبث الفضائي المباشر، وقناة للأطفال، وقناتين للرياضة، ومن المقرر أن تبدأ محطة دولية ناطقة باللغة الإنجليزية في بث برامجها قريباً.

على الرغم من أن أحداً لم يتمكن حتى الآن من اللحاق بشعبية قناة الجزيرة في مجال تقديم الأخبار والشئون الجارية، إلا أن مركز الشرق الأوسط للبث( MBC ) الذي يملكه سعوديون قدم قناة إخبارية ناجحة تبث برامجها على مدار الساعة باسم “العربية”، وهي الآن تنافس قناة الجزيرة على مركز الصدارة. كما استحوذت مؤسسة البث اللبنانية ( LBC ) وقناة دريم المصرية ( Dream ) على شرائح ضخمة من الجماهير العربية من خلال بث البرامج الترفيهية.

كانت الجزيرة سبباً في شهرة قطر، وفي تحويل العالم العربي إلى كيان أفضل اطلاعاً. وعلى الرغم من نواحي القصور في قناة الجزيرة وانحيازها في بعض الأحيان، إلا أنها نجحت في تغيير العالم العربي إلى الأفضل. فبينما كانت كافة القنوات التلفزيونية التي تديرها الدول في المنطقة العربية لا تستطيع أن تبث برامج خاصة بالشئون الجارية على الهواء منذ عشرة أعوام، أصبحت الآن حتى المحطات التابعة لبعض أكثر الأنظمة استبداداً مجبرة على رفع مستواها والسماح بإجراء المقابلات الحية.

مع احتفال قناة الجزيرة بعامها العاشر نستطيع أن نقول إنها لم تعد قناة جديدة، إلا أنها تظل رائدة في المجال الإعلامي. ولقد نجحت في اقتحام ميادين سياسية وثقافية جديدة، إلا أن تأثيرها على الحياة الاجتماعية والاقتصادية كان محدوداً للغاية. وعلى هذا فمع انتقال الجزيرة إلى مرحلة المراهقة الإعلامية، يتعين عليها أن تفكر في السبيل الذي يتعين عليها أن تسلكه لكي تتحول إلى كيان رائد على الصعيد الاجتماعي في العالم العربي والإسلامي. والحقيقة أن التغيير ما زال مطلوباً بشدة على هذه الجبهة.

داوود كتاب مدير معهد الإعلام الحديث بجامعة القدس، ومؤسس أول محطة إذاعية على شبكة الإنترنت في العالم العربي، AmmanNet.
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2006.

www.project-syndicate.org

ترجمة: هند علي Translated by: Hend Ali

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .