أبريل 13 2016

أوراق بنما وعقلية المؤامرة

نشرت بواسطة الساعة 10:13 ص تحت فئة مقالاتي,اﻷردن -

زاوية تكوين/موقع عمان نت

بقلم داود كُتّاب

يكثر الحديث، في الآونة الأخيرة، حول توقيت نشر تسريبات ما يسمى بـ”أوراق بنما”، التي تكشف أسماء أصحاب شركات مسجلة في الخارج كانت مخفية عن الرأي العام بسبب قوانين دول تسمح بإخفاء معلومات أساسية حول مالكي تلك الشركات.

يمكن القول هذه المرة، بكل تأكيد، إنه لا وجود لأية مؤامرةٍ أو تخطيط مسبق وراء توقيت هذا التسريب. سبب يقيني لعدم وجود دافعٍ وراء التوقيت يعود لسببٍ بسيطٍ ومنطقي، بأن “أوراق بنما” لم تكن سرية قبل موعد التسريب في الثالث من نيسان 2016، إذ يعمل مئات الصحافيين حول العالم منذ حوالي العام بجدٍ وتعبٍ، تمحيصاً في وثائق تم توزيعها عليهم، كلٌ حسب دولته أو منطقة عمله من قبل المعهد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، وقد حصلت صحيفة ألمانية على تلك التسريبات في نهاية عام 2014؛ أي أن الوثائق المسربة متوفرة لدى الصحافيين منذ حوالي سنة ونصف السنة.

للعلم، أيضاً، فإن المؤسسة ومقرها واشنطن لم تكن الوجهة الأساس لتسريب الوثائق من قبل مصدرٍ يعمل في مؤسسة “موساك فونسيكا” البنمية، والذي سرّبها إلى صحيفة ألمانية ومقرها ميونيخ. وتم تحويل الملفات لمؤسسة الصحفيين الاستقصائيين الدولية بسبب نجاحاتها السابقة، في إدارة مشروع تسريبات ضخم، حيث أدارت ما سمي بـ”تسريبات سويسرا”، وتسريبات بنك إتش أس بي سي، وما سميت كذلك بـ”تسريبات الأوف شور”.

توجَّه المعهد الدولي للزميل مصعب الشوابكة، مدير وحدة التحقيقات الاستقصائية في راديو البلد، بعد توصية من الشبكة الإقليمية الرائدة في العالم العربي، وهي مؤسسة أريج للصحافة الاستقصائية. شرط المشاركة في المشروع يقتضي ضرورة الحفاظ المطلق على سريته لغاية يوم النشر، وأن تعالج الوثائق بمهنية من خلال تحقيق صحفي حرفي يكون هدفه خدمة المجتمع وليس الإثارة والتشهير، الذي لو هدفاً بحد ذاته، لقامت المؤسسة منذ أن حصلت على الـ11 مليون وثيقة بنشرها، لكنها بسبب حرصها على العمل المهني قامت بتوزيع الوثائق على صحافيين استقصائيين متمرسين، وجرى التنسيق معهم بهدف نشر عددٍ كبيرٍ من التحقيقات المهنية بيوم واحد، من أجل الحماية الجماعية وعدم النزول إلى حضيض التنافس الرخيص.

أسرد هذه المعلومات دحضاً لإشاعات غير مقنعة، بتاتاً، بأن عملية توقيت نشر التسريبات جاءت ضمن مؤامرة ذات أهداف مرتبطة مع هذه الرواية أو تلك. طبعاً لا يلغي موضوع التوقيت احتمالات أخرى لفهم الدافع وراء التسريب. الصحافي الألماني باستيان اوبرماير من صحيفة «سوديتش زيتونج»، الذي حصل على التسريب، صرّح لوسائل الإعلام أنه كان يتحدث عبر موقعٍ مشفر مع المسرّب في بعض الأيام أكثر مما كان يتحدث مع زوجته.

ومن الضروري أن يحفز هذا التسريب الحكومات للتوقف عن إخفاء معلومات بحوزتها عن شركات “الأوف شور”، والأهم من ذلك أن تسرع في ضبط أنظمة وقوانين بحيث يتم إلغاء أي عطاء تشارك فيه شركات مجهولة الملكية ومسجلة في ملاذات ضريبية آمنة. فقوة المتهربين تضعف عندما يتم رفض التعامل مع تلك الشركات التي تخفي مالكيها.

وبدلاً من البحث عن دوافع التسريب، وحياكة سيناريو مؤامراتي مرتبط بأحداث عالمية، وافتراض توقيت من وراء النشر، علينا أن نتعامل مع نتائج هذا التحقيق من زاوية الكشف عن المستور، وتعرية المتخفين وراء شركات مسجلة في دول تحمي أسماء مالكيها. وبعد التأكد من صحة المعلومات المسربة يأتي دور الإعلاميين في التمحيص في ارتكاب مخالفات التهرب الضريبي والتحايل على قوانين الدولة وأنظمتها، ثم النشر لاطلاع الجمهور، وبذلك تكون الصحافة المستقلة قد لعبت دورها كسلطة رابعة.

 

داود كتّاب: مدير عام شبكة الإعلام المجتمعي. أسس العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعية في فلسطين والأردن والعالم العربي.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .