أكتوبر 13 2014

الرقة السورية في لندن

نشرت بواسطة الساعة 10:32 ص تحت فئة مقالاتي,مدونتي -

موقع دوت مصر

بقلم داود كُتّاب

سافرت إلى العاصمة البريطانية، لندن، للمشاركة في مؤتمر حول الإعلام المستقل، وذلك على متن أحدث طيارات الملكية الأردنية بوينج 787. الرحلة كانت مريحة جداً على هذه الطائرة المتطورة رغم الأقوال المغرضة عن مشاكلها، وكما يحدث في كل مرة أسافر بها، فإنني أكتشف مدى صغر البلد الذي أسكن فيه مقارنة بباقي المعمورة، رغم اعتقادنا الدائم بأننا في مركز اهتمام العالم.

اكتشاف الواقع يحدث عندما تصافح الصحافة البريطانية، حيث عليك أن تبحث وتبحث لكي تجد خبراً واحداً عن الشرق الأوسط. في الأيام الأولى لزيارتي اللندنية، كانت صحيفة الإندبندنت المستقلة خالية من أخبارنا سوى افتتاحية طالبت فيها حكومة أردوغان التركية ضرورة الإنخراط في الحرب ضد داعش.

العالم العربي قد يكون غائباً عن الإعلام البريطاني، لكنه موجود بكثافة في المتحف البريطاني حيث تحتوي أجنحة بأكملها على مصر الفرعونية والعراق وإيران، وجناح كامل عن العالم الإسلامي تبرع به اللورد جون أديس (مواليد 1914 وتوفي 1984، وهو من عائلة من شرق آسيا، وكان والده مدير بنك شنغهاي، بينما عمل هو سفيراً لبلاده بريطانيا في الصين).

ما أعجبني في المتحف البريطاني كان جناحاً خاصاً يسمى “جناح التنوير”، وهو يروي قصة بداية المتحف نفسه، الذي تأسس في القرن الثامن عشر، في مكتبة الملك البريطاني جورج الثالث، التي تبرع بها للدولة البريطانية، ثم تحولت فيما بعد إلى أول قسم للمتحف ليتوسع لاحقاً، إلا أن القائمين على المتحف قاموا بإعادة ترتيب الجناح، مطلقين عليه اسم جاليري التنوير حيث يقول المؤشر في مدخل الجاليري إن الملك كان يجمع المعلومات والكتب والأمور الأخرى من مناطق العالم كافةً للتنوير والاستفادة من تجارب الآخرين.

شدني القسم بمقتنياته وتحفه، وكيف تعلم الإنجليز من تجارب الآخرين لتقوية وطنهم، وأصبحوا الآن يحتفلون بهذا التنوع، الذي يمكن مشاهدته خارج المتحف أيضاً، ليمنح الدولة البريطانية غنى ثقافياً جعل منها محط أنظار العالم.

جناح العالم الإسلامي في المتحف جميل ومتعدد الألوان، رغم أن اللون الأزرق الذي شكّل أعمال القيشاني نسبة كبيرة منه كان طاغياً على باقي الألوان.

الأشكال الموجودة تمثلت بصحون ومخطوطات وأشكال مختلفة من الخط العربي مع تفسيرات لمعاني وأنواع تلك الأشكال، إلا أن زاوية من زوايا المتحف استوقفتني، إذ احتوى إطار زجاجي شفاف مجموعة جميلة من التحف الزجاجية تحتوي على كتابات وآيات مخطوطة بشكل جميل، وفي قسم الشرح جاء أن المحتويات الزجاجية قدمت من مدينة سورية اعتبرها المتحف من أهم المدن في صناعة الزجاج، وهي مدينة الرقة السورية.

توقفت قليلاً ونظرت حولي إن كان أحدٌ غيري لاحظ ما شاهدته، وتساءلت في نفسي إن كان زوار الجناح الإسلامي يعرفون مصير مدينة الرقة الآن. وهل كان ضرورياً أن يوّضح قسم الإرشاد مصير تلك المدينة المشهورة في الفن الإسلامي وصناعة الزجاج.

هل أصبحنا جزءاً من متاحف الآخرين وفقدنا دورنا في بناء الحضارات؟ سؤال يجب أن نفكر به على الدوام، متذكرين أن قوة حضارتنا وغناها في تعددها وتنوعها لا في أحادية الفكر والنوع، وخير شاهدٍ على تعددها كان زجاج الرقة السورية التي يجري تكريمها في أهم متاحف بريطانيا.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .