مارس 04 2012

القدس تحتاج أفعالا لا بيانات

نشرت بواسطة الساعة 11:24 ص تحت فئة مقالاتي,السياسة الفلسطينية -

بقلم داود كتاب

في لقاء مع برنامج ما وراء الاخبار سألتني مذيعة فضائية “الجزيرة” ما هو المتوقع من مؤتمر القدس الدولي الذي سيعقد في العاصمة القطرية الدوحة. قبل الاجابة على السؤال قلت لها ما لا يريده أهل القدس وهو البيانات والشعارات. لقد سئمنا الكلام المعسول والخطابات الرنانة والاشعار التي تقول القدس عروس العروبة الخ.. الخ.. وانهيت بالقول ان ما تريده القدس هو افعال وليس كلاما.

لقد مر على احتلال القدس 45 عاما وقد قامت اسرائيل بضم أحادي وغير شرعي للقدس الشرقية وتم اخراج القدس من المعادلة السياسية وحتى الحياتية لباقي فلسطين للسلطة الوطنية الفلسطينية بعد اتفاقيات اوسلو وجدار برلين الجديد الذي يحجب المدينة المقدسة عن باقي فلسطين. وفي كل هذه السنوات سمعنا كلاما وشعارات وقرأنا بيانات الاستنكار والشجب ولم نر اي تغيير الا للأسوأ.

قبل عامين قرع العرب على صدورهم واصدروا بيانا مرفقا بتعهد مالي لدعم اهل القدس بمنحة مقدارها 500 مليون دولار. تنفس البعض الصعداء وفكر اخرون انه ربما لن يحتاج المقدسيون للتشبث بالهوية الاسرائيلية بسبب التأمين الوطني التي توفره اسرائيل للمقدسيين. حلم التجار والصناعيون ونشطاء السياحة بمشاريع فلسطينية تدعم الصمود في القدس. ولكن التعهدات المالية تبخرت ولم تر النور مثلها مثل باقي الوعود العربية والاسلامية. وعاد المواطن المقدسي للتشبث بالهوية الزرقاء المقدسية لما تقدمه من مزايا حياتية ولم يكتف البعض بذلك بل زاد الطلب على الجنسية الاسرائيلية بعدما تبين اكثر فأكثر عدم جدية العرب وعدم جدوى الانتظار لصلاح دين عربي او اسلامي يفك اسر القدس أو على الاقل يوفر شعورا حقيقيا ان هناك عربا ومسلمين جديين في دعم القدس واهلها.

طبعا الاحتلال الاسرائيلي والجهات اليهودية المدعومة من الخارج لم تتوقف يوما واحدا منذ حزيران 1967 وهي تعمل بجد على عمليات الترانسفير للفلسطينيين من ناحية وتهويد القدس من الناحية الاخرى. ففي الاسابيع الاخيرة فقط رأينا توجها اسرائيليا مكثفا لزيادة ترسيخ ذلك فقد اعلنت بلدية القدس الاسرائيلية عن استثمار مقداره حوالي 150 مليون دولار لتوسيع شوارع القدس ليس لراحة المقدسيين بقدر ما تهدف الى زيادة مصادرة الاراضي (خاصة في منطقة وادي الجوز) وربط كافة احياء القدس الشرقية بالغربية لقطع الطريق على امكانية عودة القدس او حتى احيائها العربية لدولة فلسطينية مستقبلية. ونشرت صحيفة معاريف نية حكومة نتنياهو تحويل مطار القدس في منطقة قلنديا لمنطقة صناعية استيطانية وهو عكس وعود تسيبي ليفني لسلام فياض بإعادة منطقة المطار للسلطة الفلسطينية.

والقدس سلعة سهلة للمزاودين من كل الأطراف، فهناك مزاودة اسرائيلية حول من يعمل اكثر لتهويد القدس كما نشاهد هذه الايام واحيانا يشعر المقدسي ان هناك مزاودة عربية واسلامية حول القدس يتعامل معها البعض بالعواطف والشعارات من دون محاولة التفكير المنطقي في اسس معالجة فعالة لما يحدث في المدينة المقدسة.

يعاني المقدسيون منذ الاحتلال من مشكلة غياب قيادات محلية منتخبة. فمع ضم القدس واجبار الفلسطينيين على التصويت للقدس “الموحدة” الامر الذي يقاطعه المقدسيون ومع التضييق الدائم لنواب القدس المنتخبين للمجلس التشريعي الفلسطيني ومع وفاة القائد المقدسي فيصل الحسيني إضافة الى مشكلة هجرة المقدسيين فقد أصبحت قيادة القدس بايدي قيادة محلية ضعيفة في احسن الاحوال ومتطفلين واحيانا زعران في اسوئها. كما تعاني السلطة الوطنية ومنظمة التحرير من تكبيل اياديها واقصاء ورفض اسرائيلي مستمر لمنعها من أن تلعب اي دور قيادي لمصلحة القدس.

لقد شكل التعدي الاخير على المسجد الاقصى – وهو اول مرة يدخل الجنود الاسرائيليون المدججون بالسلاح باحة الحرم منذ مجزرة عام 2000 التي ادت الى انطلاق انتفاضة الاقصى- اهتمام عربي واسلامي واسع وبحق. وإذا دل ذلك على شيء فهو يدل على ضرورة خروج موضوع القدس من اطاره المحلي او الفلسطيني والاستفادة من الاطار العربي والاسلامي والعالمي ودون التنازل عن دور المواطن المقدسي والسلطة الفلسطينية.

وفي اطار الدور العربي والاسلامي قد يكون هناك مخرج مقبول ومؤثر للبدء بمعالجة الخلل الموجود في ما يتعلق بالقدس. لقد نجح الاردنيون في اتفاقهم مع اسرائيل بفرض تنازل اسرائيلي فيما يخص وضع الاماكن الدينية في القدس حيث ينص البند الثاني من المادة 9 لاتفاق وادي عربة على ما يلي:

“تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس, وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستولي إسرائيل أولوية كبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن.” وإذا كان ما يحدث الان مخالفا لذلك التعهد وإذا كان لتهويد القدس تأثير سلبي على مفاوضات الوضع النهائي فمن المنطق ان يتم فلسطينيا وعربيا واسلاميا دعم دور الاردن في ذلك. لقد لاحظنا قبل شهر وعند محاولات اسرائيل الاعتداء على باب المغاربة كيف كان للدور الاردني وبعد الطلب الفلسطيني والعربي (وحتى من قبل الداعية الاسلامي يوسف القرضاوي) دور في وقف الاعتداءات الاسرائيلية.

لا شك ان الاردن بسبب وضعه الاستراتيجي وعلاقاته المميزة يستطيع ان يلعب دورا اكبر. فالاجواء الفلسطينية الاردنية (بما فيها مع حماس) الان هي افضل مما عليه في تاريخ المنطقة المعاصر.

كما لا شك ان هناك قناعة حقيقية ان لا اطماع للاردن في فلسطين بل رغبة حقيقية في دعم الصمود الفلسطيني.

لذلك من الممكن تشكيل إطار ثلاثي الاضلاع مكون من ممثلين حقيقيين لسكان القدس وممثل عن السلطة الوطنية الفلسطينية وممثل عن الحكومة الاردنية تكون مسؤوليته العمل الجدي والحثيث على وضع استراتجية فعالة لدعم الصمود المقدسي وحماية المقدسات والدفاع عن حقوق ابناء المدينة المقدسة.

يجب عدم السماح لاسرائيل بمنع العمل الفعال في القدس ووضعه على شماعة الاحتلال. فرغم الصعوبات هناك امكانية حقيقية للعمل الفعال بشرط استخدام الحكمة والحنكة والاستفادة من مجموعة نقاط القوى المتوفرة قانونيا وسياسيا لذلك.

ان الوضع في القدس لا يحتمل الشعارات والخطابات. نحن بحاجة الى خطة متكاملة تتضمن اهدافا قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى مع برنامج زمني محدد ومن خلال الية عمل فعالة تستطيع ان تنفذه بعيدا عن الشعارات ومحاولات تسجيل مواقف. تحتاج القدس الى خطة مارشال عربية فعالة توقف الاسرلة وتعيد البوصلة للمقدسيين لهويتهم العربية. فالمطلوب افعال وليس اقوالا وسيكون المقدسيون في انتظار تنفيذ دقيق وفعال للمواقف العربية والاسلامية من القدس.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .