فبراير 01 2011

لماذا شكلت تسريبات الجزيرة صدمة للعرب وليس للفلسطينيين

نشرت بواسطة الساعة 5:25 م تحت فئة السياسة الفلسطينية -

بقلم: داود كتاب

كثيرا ما يُنظر إلى الرسوم الكريكاتورية السياسية لخليل أبو عرفة في جريدة القدس وهي أكبر جريدة يومية، على أنها انعكاس لمزاج الفلسطينيين العام في الأراضي المحتلة. والمعروف أن الرسام الكريكاتوري الفلسطيني خليل أبو عرفة ليس موالياً لحركة فتح. لقد أيّد في سنواته الأولى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ وتم انتخاب شقيقه خالد أبو عرفة للمجلس التشريعي الفلسطيني عن قائمة حماس للتغيير والإصلاح.

عبّر أبو عرفة في رسمه الكاريكاتوري يوم الاثنين 24 كانون ثاني وبشكل كبير عن نبض الشارع الفلسطيني حول الوثائق المثيرة للجدل والتي تم تسريبها للجزيرة وصحيفة “الغارديان” وتشمل أوراق وملاحظات فريق التفاوض الفلسطينية.

لقد صور في رسمه رجلاً فلسطينياً متقدماً في السن ممسكاً بيد صبي صغير عالقا بين هجمات الإسرائيليين و”الجزيرة”.. فعلى الجانب الأيسر منه، تهدم الجرافات الإسرائيلية المنازل تحت عنوان توضيحي “قصف إسرائيلي مباشر”. أما على الجانب الأيمن، فهناك أسهم تطعن ظهر الرجل العجوز، تحت شرح يقول: “الجزيرة مباشر”.

عكست المظاهرات في فلسطين والردود العفوية التي يسمعها أي مهتم في الشوارع، بما في ذلك في غزة، مشاعر داعمة للقيادة الفلسطينية الحالية والمعارضة لقناة الجزيرة. وفي حين أن الناس في الأراضي المحتلة يتفهمون إلى حد كبير الصعوبات التي تواجه المفاوضين الفلسطينيين، فقد كان رد فعل معظم فلسطينيي الشتات والشعوب العربية الاشمئزاز والغضب تجاه القيادة الفلسطينية.

وتتكرر الاتهامات بالخيانة والعمالة أكثر فأكثر على الهواء وفي الدردشة على الانترنت في جميع أنحاء العالم العربي. وقد شوهد أيضاً الغضب من المحطة الفضائية القطرية في بعض شبكات وسائل الإعلام الاجتماعية. ولكن كان في الخارج استثناءات؛ فقد أرسل سميح طوقان مؤسس موقع مكتوب، وهي شركة البريد الإلكتروني الرائدة في العالم العربي التي تم بيعها في العام الماضي ل “ياهو” بقيمة 100 مليون دولار أميركي حسب ما أفادت التقارير، أرسل عدداً من رسائل “التويت” تهاجم قناة الجزيرة لتركيزها المكثف آنذاك على التسريبات حول فلسطين بينما تجاهلت المظاهرات في أيامها الأولى في مصر. ومع ذلك، فإنه من المؤكد أن يتابع فلسطينيو الشتات تقارير الجزيرة أكثر من رسائل “التويت” لطوقان.

إن تغطية المحطة التلفزيونية العربية الشعبية كانت موجهة تماماً ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس والقيادة الفلسطينيةً. وعلى الرغم من المحاولات الرمزية القليلة لإعطاء المسؤولين الفلسطينيين فرصة للرد، فقد ركزت التغطية على ما ذكره المفاوضون الفلسطينيون أو ما وعدوا به في المناقشات أو في الأوراق غير الملزمة. ومن الأمور التي تم التركيز عليها بشكل خاص ما أفادته التقارير حول العرض الفلسطيني بشأن القضيتين الأكثر سخونة والتي لم تحل وهما قضيتي القدس واللاجئين إضافة إلى موضوع التنسيق الأمني.

ما هو سبب هذا الاختلاف؟ كيف يمكن أن يكون هناك فجوة واسعة في الرأي مثل هذه من قبل مجموعتين كانتا تدعمان تماما القضية الفلسطينية من أجل الاستقلال من الاحتلال الإسرائيلي البغيض؟

ثمة مكان للبدء وهي طبيعة المفاوضات. إن ما يقوله أي مفاوض باستمرار هو أن أسوأ طريقة للنظر إلى أية محادثات هي أن يتم تشريحها إلى جزيئات. وأي موقف فردي حول مجموعة معقدة من المفاوضات يجعل المفاوض يبدو دائماً ضعيفاً لأن ما يهم في طبيعة المفاوضات هو أن يُنظر إلى الصورة الشاملة.

من شأن أي فلسطيني، بما في ذلك الفريق الفلسطيني المفاوض، أن يكون مؤمناً بحق العودة وضرورة بقاء القدس الشرقية بأكملها للفلسطينيين وحق قيام دولة فلسطينية مستقلة على جميع الأراضي التي احتلت عام 1967.

فإن الموقف التفاوضي الفلسطيني تجاه أي من البنود الساخنة سيبدو وكأنه استسلام إن تم الكشف عنها بشكل منفصل. إذا كان المفاوضون على استعداد لقبول أي شيء أقل من العودة الكاملة لستة ملايين لاجئ يعيشون في الخارج، فإن كثيرين سيصرخون “باعوها”. ومع ذلك، إذا تم النظر إلى مجمل الصورة، وإذا تم تقديم صفقة شاملة يكون فيها الفلسطينيون، بعد عقود من الاحتلال، قادرين على أن يختبروا استقلالاً حقيقياً في بلدهم، فإن مثل هذه التسوية ستكون أكثر احتمالاً.

وثمة مشكلة أخرى في فهم الفجوة بين المجتمعات الفلسطينية المختلفة هي الخطاب الإعلامي خاصة للمقيمين في خارج فلسطين. لقد قيل للفلسطينيين لسنوات عدة أن لديهم الحق في العودة وبأن القدس الشرقية ستكون عاصمة لدولتهم. وكرر القادة الفلسطينيون والعرب من جميع التوجهات، بما في ذلك المفاوضين، هذا الأمر مراراً كثيرة. ولذلك كان هناك ذهول في الخارج في حين أن سكان فلسطين المحتلة والذين يعيشون الاحتلال لم يتفاجأوا.

هذا لا يعني أن القادة الفلسطينيين هم مخادعون عندما يتحدثون عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف وعندما يفكرون في هذه الحقوق في إطار القانون الدولي والمعاهدات الدولية. عندما يكون هناك اتفاق يمكن فقط لهؤلاء القادة أن يُتوقع منهم البدء بتحضير الناس حول تقديم تنازلات على جبهات معينة. فالمعروف في أي تفاوض معقد انه إلى أن يتم الاتفاق على كل النقاط لن يتم الاتفاق على شيء. وما يتم تقديمه اليوم كحل وسط في ملف واحد يمكن أن يتم سحبه غدا.

فمن دون اتفاق من هذا القبيل، فإن لغة الخطاب المنمقة ستستمر، والفلسطينيون الذين يعيشون في مخيمات اللاجئين أو الذين يأملون بالعودة يشعرون بخيبة أمل طبيعية عندما يُقال لهم انه تم المساس بحقوقهم إذا لم يتم وضع هذا الكلام في سياقه المناسب. ومع ذلك، فإن الفلسطينيين الذين يعيشون في فلسطين المحتلة والذين هم قادرون على التمييز بين التطلعات الوطنية والحقائق على أرض الواقع لا يُصدمون مثل أولئك الذين يعتمدون فقط على الخطاب العام كمرجع لهم.

إن المفاوضات في أي سياق كانت ستستند وبشكل طبيعي على عملية الأخذ والعطاء التي غالبا ما تمليها موازين القوى. إن عدداً قليلاً من الفلسطينيين الذين هم على استعداد لأن يكونوا صادقين مع أنفسهم قد ينكرون بأن صلاحيات القوى الفلسطينية المفاوضة محدودة. ومع ذلك، فإن إسرائيل مستمرة في احتلال الأرض، ومعظم العرب والمجتمع الدولي يعطون خدمة شفهية للفلسطينيين وإسرائيل قادرة على رفض الدعوات لإنهاء الاحتلال بغطرسة ما دام هذا الاحتلال ليس مؤلماً جدا لها.

ومع ذلك، لم نفقد كل شيء، ففي حين أن نشر ما يسمى بالأوراق الفلسطينية كان مؤلماً للقيادة الفلسطينية، وأدى إلى مزيد من العداء في الرأي العام الفلسطيني والعربي، فإن لهذا كله جانباً مشرقاً. فكما عكست صحيفة “الجارديان” بدقة فإن الأوراق تظهر جدية المفاوضين الفلسطينيين وعدم رغبة إسرائيل في السلام وعجز الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

من المؤكد إن تسريب الأوراق الفلسطينية كان سيؤذي محاولات حشد الرأي العام الفلسطيني والعربي ويحرك الجيوش العربية والإرادة السياسية في اتجاه تحرير فلسطين. ولكن إذا كان حل الصراع الحالي سيكون سياسية دوليا وليس عسكريا عربيا، فإن نشر هذه الوثائق السرية سيعزز في نهاية المطاف الموقف الفلسطيني ويزيد من الضغط السياسي الدولي وحتى الإسرائيلي لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .