أبريل 11 2010

الجنرال بتريوس يُخرج المارد من القمقم

نشرت بواسطة الساعة 1:12 م تحت فئة أميركا والشرق اﻷوسط -

*  بقلم داود كتاب

وأخيراً تم كسر أحد محرمات السياسة الأميركية وخرج المارد من القمقم على الرغم من بعض المحاولات لإجباره على العودة إليها. يبدو أن زعماء أميركا العسكريون قد عانوا بما فيه الكفاية، وقرروا أن يتحدثوا عما يسببه تشدد إسرائيل من عوائق تجاه مصلحة الولايات المتحدة الوطنية.

نطق الجنرال الأميركي المشهور شعبياً في أميركا ديفيد بتريوس أخيراً بالكلمات التي كان يقولها كثيرون خلف الأبواب المغلقة لعقود من الزمان. إن الموقف الأخير لهذا الجنرال يضع التأييد الأميركي الأعمى لإسرائيل في تناقض مباشر مع أقدس مؤسسة لأميركا وهي المؤسسة العسكرية.

لكي نكون منصفين، فإن التلميح في هذا الشأن بدأ بالتسرب من واشنطن منذ بعض الوقت. فقد أدلى الرئيس الأميركي جورج بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس بتصريحاتهما الأولى في هذا الاتجاه عندما قالا علناً إن إقامة دولة فلسطينية مستقلة هو في مصلحة قومية للولايات المتحدة. وكرر الرئيس باراك أوباما هذا التصريح في خطاباته العديدة، بما في ذلك خطابه التاريخي في جامعة القاهرة. ولكن ولسبب ما، فإن مثل هذه التصريحات، برغم أهميتها، لم يتردد صداها في الولايات المتحدة أو بين الإسرائيليين. حاولت بعض القوى الفلسطينية وتلك المؤيدة للقضية الفلسطينية في الولايات المتحدة أن تبني عليها، ولكن معظم هذا الجهد لم يثمر في مجال السياسة أو الإعلام الأميركي.

ولكن عندما يقول ذلك قائد القوات العسكرية الأميركية وهو المسؤول عن حياة مئات الآلاف من الأميركيين، فإن الناس يتوقفون ويستمعون. من الصعب على القوات الموالية لإسرائيل، سواء كانت قادمة من الأوساط اليهودية الأميركية أو الأصولية المسيحية الأميركية، أن تجادل مع جنرال ذي شعبية مثل بتريوس. ومن المفارقات، فإن الكثير من هذه القوى اليمينية تمدح الجيش وتدفع بتريوس نفسه لخوض انتخابات الرئاسة.

منذ أن تم الإفراج عن هذا المارد من القمقم، فإنه أصبح من الصعب أن نرى كيف سيكون بالإمكان تجاهله. وفي حين أن القوات الموالية لإسرائيل قد تحرص على عدم التحدي علناً لتصريح بتريوس، فإن الكثير من الجهود وراء الكواليس قد حاولت أن تعكس ذلك. إحدى هذه الجهود تولاها المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي (JINSA)، كما ورد في صحيفة هآرتس الإسرائيلية اليومية. نجحت المنظمة في جعل 50 من الجنرالات الأميركيين السابقين يوقعون على رسالة دعم لإسرائيل. ومن المفارقات أيضاً، كما ذكر عمير أورين في تقريره، إن الرسالة التي تثني على القيم المشتركة بين أميركا وإسرائيل لم تذكر العبارات التالية: “الفلسطينيون والقدس والبناء والأراضي”.

يعكس كاتب المقال ضعف هذه المحاولة مشيراً إلى أن “الضباط المتقاعدين الموقّعين يزورون إسرائيل في جولات مجانية من نفس المعهد مع زوجاتهم” في مؤشر لعدم جدية أو استقلالية مواقفهم.

إن جهوداً مثل تلك الرسالة لن تتمكن على الأرجح من إقناع كبار ضباط الجيش مثل بتريوس في التراجع عن مواقفهم فوراً؛ إلا أن تلك الضغوط تحصل على انتباه مسؤولي وزارة الدفاع. وفي غياب جهد من الجانب الآخر للتصدي لهذا الجهد، فإنه قد يؤدي إلى أن يكون الجنرالات أكثر حذراً حول جعل قصدهم معروفاً في المستقبل.

قد يكون أهم رد فعل للمعارضين لبتريوس من الجانب العربي سياسي وفي معظمه على المستوى الحكومي. لقد أصبح رؤساء الدول العربية ووزراء الخارجية أكثر تعبيراً واتحاداً في طلبهم المستمر لتكون جهود الولايات المتحدة حيادية في الصراع في الشرق الأوسط. لقد شملت مقابلة الملك عبد الله مؤخراً مع صحيفة وول ستريت جورنال المحافظة بعض أقسى التصريحات التي أدلى بها رئيس دولة عربية في ما يخص إسرائيل وسياساتها وإجراءاتها في فلسطين خصوصاً في مدينة القدس من أي وقت مضى. وقد ذكر العاهل الأردني أن القدس هي بمثابة قنبلة موقوتة يجب نزع فتيلها وأن علاقة الأردن وإسرائيل قد وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ عقود.

 

وفي حين أن الدعم العربي مهم، يجب أن يدعمه جهود أخرى مختلفة. ويجب أن يُمدح أوباما وإدارته وكذلك ضباط الجيش علناً في مختلف المنتديات على صمودهم ومطالبهم لإيجاد حل عادل لقضية فلسطين. وميدانيا يجب أن تستمر الأنشطة في فلسطين فقط من خلال الاحتجاجات الشعبية غير العنيفة؛ لا شيء يمكن أن يساعد إسرائيل أكثر من ذريعة الحاجة إلى الاستجابة لفعل عنيف من قبل الفلسطينيين أو العرب، سواء في غزة أو القدس أو جنوب لبنان. لقد أدلى بتريوس بتصريح شجاع يمكن أن يلعب دوراً رئيسياً في إضعاف اللوبي المؤيد لإسرائيل والسماح لبداية نهج أكثر توازناً للولايات المتحدة في الصراع في الشرق الأوسط. وفي حين أن الفلسطينيين والعرب مرتاحون لمثل هذه التصريحات إلا انه من الضرورة دعم هذه المواقف علناً كما ويجب في الوقت نفسه تجنب أية تصريحات أو إجراءات من شأنها إحراج هؤلاء المسؤولين العسكريين والسياسيين الأميركيين الجريئين.

 

* الكاتب صحفي فلسطيني ومدير عام شبكة الإعلام المجتمعي العاملة في فلسطين والأردن

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .