سبتمبر 27 2009

أين الإعلام المرئي والمسموع “في خدمة المجتمع” ؟

نشرت بواسطة الساعة 2:23 م تحت فئة اﻷردن -

* بقلم داود كتاب

يواجه الأردن والعديد من البلدان العربية الأخرى، صعوبة في فهم فكرة إذاعات الخدمة العامة والتعامل معها.

في الأردن وبعد عقود من امتلاك الحكومة لمحطات الإذاعة والتلفزيون والهيمنة علي الأثير بدأت حقبة جديدة من خصخصة موجات الأثير قادها جلالة الملك عبد الله الثاني، ونجح قانون المرئي والمسموع الذي صدر في عام 2002، في خلق تشكيلة واسعة من المحطات التجارية، والذي وفر إمكانية الترخيص لمحطات إذاعية وتلفزيونية للقطاع الخاص, ولكن الحكومة فشلت في خلق بيئة قانونية تشجع وتحسن أداء إذاعات الخدمة العامة.

قد تكمن المشكلة الكبرى اليوم في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون المدارة من قبل الحكومة والتي أعطيت مهمة توفير برمجة الخدمة العامة. فالمواطنون الأردنيون يدفعون تكلفة إدارة الإذاعة و التلفزيون من خلال رسوم البث التي يتم جمعها من كل أسرة، فيتم حسم دينار واحد من فاتورة الكهرباء لكل بيت أو مكتب أردني شهرياً. ولكن رسوم البث تذهب مباشرة إلى الخزينة. الحكومة توفر أقل من نصف هذا المبلغ لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التي تحصل على بقية احتياجاتها من الإعلانات ورعاية البرامج.

هكذا تضطر الإذاعة و التلفزيون الرسمي ليتنافس مع وسائل الإعلام التي يملكها القطاع الخاص لكي تضمن البقاء. هذا الأمر يخلق وضعا سيئا للقائمين على الإعلام الرسمي. أسوأ وضع لهذه الحالة يمكن أن نراه من خلال متابعة برنامج الجوائز اليومي “رمضان معنا أحلى” الذي قدمه التلفزيون الأردني في شهر رمضان المبارك مباشرة بعد الإفطار. لقد منحت الجوائز لعدد قليل من المشاهدين بناء على مكالمات هاتفية.

المشكلة أن تكلفة المكالمات بلغت 70 قرشاً للدقيقة، ومعظم المتصلين انتظروا على جهاز الرد الآلي لبضع دقائق ليقودهم إلى قائمة من الخيارات قبل التصويت. تتكرر هذه العملية يومياً مع العديد ممن يأملون بالفوز. سعر هذه المكالمات نادراً ما يتم الإعلان عنه، وفي كثير من الأحيان يقوم الأولاد بالاتصال تاركين أسرهم يدفعون عشرات أو مئات الدنانير على فاتورة هاتف المنزل.

التلفزيون الأردني الذي تديره الدولة يعاني من قلة المشاهدين حيث يشاهده من ليست لديهم مكانية الحصول على القنوات الفضائية، وهكذا فهذه المشكلة لها مضاعفات لدى المواطنين الأكثر فقرا. لكن المشكلة الأكبر أن التلفزيون في سعيه لدخل سريع خلال رمضان يقوم بإنتاج برامج ذات مستوى منخفض.

عودة لبرنامج “رمضان معنا أحلى” فإذا استسلمنا للحاجة إلى برامج مسابقات لها رعايات مغرية فهل علينا أن نقبل ببرامج ضعيف لا تحمل أي قيمة مهنية أو قيمة في المعلومة التي تطرحها؟ . فهذا برنامجً يومي يمتد إلى ساعة على الهواء دون أي قيمة فنية، ولا يحتوي حتى على مضمون ثقافي. إنه مجرد برنامج إعلاني لساعة واحدة لمجموعة من الشركات قدمت جوائز صغيرة. وهنا يرد مسؤولو التلفزيون الأردني إنه ليس لديهم أي خيار سوى القيام بذلك لأن الحكومة لا توفر لهم الدخل اللازم لتغطية التكاليف.

من المهم القول أن أحدا لا يعرف ما هو دخل الحكومة السنوي من رسوم التلفزيون. ولكن يشاع في أوساط العاملين في التلفزيون أن أكثر من 15 مليون دينار أردني يتم تحصيلها سنوياً عبر فاتورة الكهرباء، ولكن في الواقع أقل من نصف هذا المبلغ يتم تسليمه إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، مما يضطرها إلى أن تخفض من جودة برامجها لجذب الإعلانات.

على المستوى العام ومن الجهة التشريعية فإن القانون الجديد للمرئي والمسموع سمح لعشرات من الإذاعات والتلفزيونات المحلية أن تبرز إلى الوجود (معظمهم مقرهم في العاصمة)، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت هذه المحطات يمكنها تأمين الاستمرارية على المدى الطويل. فهناك العديد من الثغرات في القانون وفي سياسة الحكومة بحق القطاع أسفرت عن اقتصار دخل الإعلانات على مجموعة صغيرة جداً ومنتقاة من المحطات بسب عدم وجود الفرص المتكافئة.

إذاعة فن، على سبيل المثال، التي تملكها القوات المسلحة، قد استفادت من نظام اتصالات الجيش للوصول إلى أبراج البث الإذاعي في كافة أنحاء الأردن. وإذاعة أخرى تابعة لمركز الشرطة هي إذاعة أمن وتملكها دائرة الشرطة، تستطيع الوصول إلى جميع الضباط والحصول على تقارير الشرطة قبل أي شخص آخر. لقد رفضت إذاعة أمن علناً توفير تقارير حركة المرور من مروحيات الشرطة أو من مقرها للمحطات ألأخرى تحت ذريعة أن هذه المعلومات هي معلومات أمنية.

يقول المسؤولون في الجيش والشرطة أن لديهم الحق في الاستثمار في وسائل الإعلام مثل القطاع الخاص. ولكن لا يجيب احد عن السؤال تفسير في ما إذا كان وجود مثل هذه الإعفاءات الحكومية جيد بالنسبة للتنافسية في صناعة المرئي والمسموع.

في خضم هذا كله، يولى القليل من الاهتمام للخدمة العامة الحقيقية والإعلام المجتمعي. لقد أشار البنك الدولي مراراً وتكراراً أن مستويات الفقر قد اختفت في المجتمعات التي لديها إذاعات مجتمعية قوية. قانون المرئي والمسموع يشجع وسائل الإعلام الترفيهية بدلاً من وسائل الإعلام التي تهتم في القضايا المحلية. فحسب نظام رسوم التراخيص تُفرض 50% إضافية من الرسوم المفروضة على الراغبين في إنشاء أية محطة إخبارية أو سياسية رغم انه في الواقع فان كلفة تلك الإذاعات المجتمعية أكبر بكثير من تلك التي تبث موسيقى وبرامج ترفيهية خاصة أن الإذاعات المجتمعية تسهم في خلق فرص عمل وتدريب وتأهيل الشباب في المجتمع المحلي على عكس الإذاعات الترفيهية التي يمكن لموظف أو اثنين إدارتها، ولا توجد فيها إمكانية تدريب وتأهيل الشباب.

فكرة معاقبة المحطات التي تبث الأخبار المحلية والسياسية، لا بد أن يتم حذفها. على العكس من ذلك، يجب إعطاء تنازلات مقابل الحصول على ترخيص لأية محطة إذاعية غير هادفة للربح تهتم في تقديم الخدمة المجتمعية.

لقد قدم مجلس الوزراء الأردني إعفاءات فقط لمحطات إذاعية تابعة للجامعات الحكومية والشرطة وأمانة عمان ولمحطة متصلة بمعهد المكلة زين ورفضت منح الإعفاء لبلدية لب ومليح بالقرب من مادبا والتي تعاونت مع صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة (يونيفيم) لإنشاء إذاعة مجتمعية في القرية، لأن المجلس البلدي منتخب وليس معيين. ينبغي على المنظم الذي تديره الحكومة دعم محطات الخدمة المجتمعية وليس خلق الصعوبة أمامهم للبقاء والاستمرار.

بالنسبة للتلفزيون الوطني وإذاعات الجيش والشرطة فإنها جديرة بالثناء عندما تقدم الخدمة للجمهور. ولكن عندما تسعى هذه المحطات للحصول على الدخل عن طريق الإعلانات باستخدام ميزاتها فإن هناك مشكلة حقيقية. لأنه ليس مقبولا أن تحصل أية محطة على دخل من دافعي الضرائب وتعفى من دفع رسومً البث وتملك امتيازات عامة في حين تتنافس مع محطات أخرى لا تملك إلا استثمارها كمصدر للدخل.

إن قطاع المرئي والمسموع ينمو بسرعة ويحتاج إلى عملية تنظيمية عادلة تأخذ بعين الاعتبار بث إذاعات الخدمة العامة وفي نفس الوقت الحاجة إلى نظام عادل يكفل منافسة حرة وحقا متساويا للحصول على حصة مناسبة من الإعلانات التجارية. إن ترك هذه العملية على واقعها هي وصفة تستجلب الفساد و تجني المال لفئات محددة تحت غطاء إذاعة الخدمة العامة دون أن تكون كذلك.

 

* مدير عام راديو البلد وموقع عمان نت

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .