نوفمبر 28 2007

النصف الآخر من عملية السلام

نشرت بواسطة الساعة 1:29 ص تحت فئة أميركا والشرق اﻷوسط -

النصف الآخر من عملية السلام 26/Nov/2007

داوود كتاب

كثيراً ما يهدر المسئولون الأميركيون قدراً عظيماً من الطاقة والجهد في “تسليط الضوء” على “تقدم عملية السلام” في الشرق الأوسط. ولم تبدأ الولايات المتحدة في شغل نفسها حقاً بمسألة “السلام” إلا خلال فترة الثمانية عشر شهراً المتبقية من الولاية الثانية للرئيس بوش، أو في أعقاب كل اشتباك عسكري تشهده منطقة الشرق الأوسط.

ويبدو أن هذا النمط يصدق على مؤتمر أنابوليس بولاية ماريلاند تحت رعاية الولايات المتحدة والفارق الوحيد الآن يتلخص في أن المحاولة الحالية، على العكس من مؤتمر مدريد الذي انعقد في أعقاب حرب الخليج التي قادتها الولايات المتحدة في العام 1991، تأتي بعد هزيمة أميركية واضحة في العراق.

إذا ما افترضنا أن إدارة بوش جادة في جهودها الحالية، فلابد وأن يكون لدى الولايات المتحدة خطة بديلة في حالة فشل المحادثات. ذلك أن الهم الرئيسي بالنسبة للفلسطينيين الآن يتلخص في تجنب العواقب السلبية في حالة الفشل. كان الرئيس بل كلينتون قد نحى باللائمة على ياسر عرفات بعد فشل محادثات كامب ديفيد في العام 2000، إلا أن إدارة بوش لابد وأن تحترم التزامها بعدم توجيه أصابع الاتهام أو السماح لأي طرف باستغلال الفشل في توسعة أهدافه الإستراتيجية.

كان على المفاوضين الفلسطينيين دوماً أن يوازنوا بين ثلاث قضايا: الحقوق التاريخية، والحقائق الحالية، والثمن المترتب على استخدامهم لقوتهم السلبية. فالعبارة الأساسية التي يستخدمها الفلسطينيون في التعبير عن حقوقهم التاريخية ـ تحرير الأرض الفلسطينية، وتأمين حق العودة للاجئين، والإصرار على دولة حقيقية مستقلة ـ تتلخص في “الشرعية الدولية”. ففي نظر كلٍ من منظمة التحرير الفلسطينية وحماس، يشير هذا إلى قرارات عديدة صادرة عن الأمم المتحدة، فضلاً عن الرأي العام العالمي، الذي ارتقى إلى ما هو أفضل قليلاً من النفاق الخطابي من جانب القوى الغربية والزعماء العرب والمسلمين، الذين تسببوا بتصريحاتهم في إحياء آمال زائفة، الأمر الذي قد يحث المفاوضين الفلسطينيين على التشدد في مواقفهم.

إن الحقائق الحالية التي يتعين على الفلسطينيين أن يدركوها تتضمن خلل التوازن الذي يضعف من موقفهم الآن على الأصعدة الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، فضلاً عن حقيقة الاحتلال وتحديات الحياة في الشتات. على سبيل المثال، كانت السياسات الخشنة التي تعاملت بها إسرائيل مع انتفاضة العام 1987، مقترنة بمقاطعة دول النفط العربية الغنية لمنظمة التحرير الفلسطينية (بسبب عدم إدانتها لاحتلال صدّام حسين للكويت)، بمثابة تنبيه واقعي قوي إلى الحقائق الفعلية بالنسبة للقيادة الفلسطينية.

أخيراً، يتعين على المفاوضين الفلسطينيين أن يضعوا في حسبانهم العواقب التي قد تترتب على استخدامهم لورقة المساومة الأعظم قيمة بين أيديهم ـ والتي تتلخص في قدرتهم على رفض أي اتفاق غير لائق في نظرهم ـ فيما يتصل بتأثيرها المباشر على الشعب الفلسطيني والاحتمال القوي المتمثل في توسع إسرائيل في إقامة المستوطنات اليهودية على الأرض الفلسطينية.

كان الراحل حيدر عبد الشافي يؤكد على نحو متكرر على المشاكل الأساسية التي عابت اتفاقيات أوسلو، وعلى وجه التحديد عدم نصها على وقف توسع المستوطنات أثناء الفترة الانتقالية أو في حالة فشل محادثات الوضع النهائي. وفي كامب ديفيد الثانية، أصر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ببراعة على أن تكون أول فقرة من عرضه هي قبول إنهاء الصراع، وهو ما كان يمثل مشكلة بالنسبة للفلسطينيين، نظراً للحقوق التاريخية التي ستظل معلقة. وهنا استخدم عرفات قوته السلبية وأوقف عملية التسوية، إلا أنه ما كان بمقدوره آنذاك أن يتنبأ بالعواقب.

هذه المرة، يصر المفاوضون الفلسطينيون على أنهم لا يعتزمون الانخراط في مفاوضات جوهرية. ويحتجون بأن المواقف المقبولة في طابا (في أعقاب فشل كامب ديفيد الثانية) لابد وأن تشكل الأساس لأي اتفاق، وأن ما يحتاج إلى التفاوض الآن هو الجدول الزمني للتنفيذ. وبدعم من خطة سلام عربية معقولة، فلسوف يصرون على الإجماع الدولي القائم بالفعل فيما يتصل بضرورة تراجع إسرائيل إلى حدود 1967 (مع تعديلات مشتركة بين الطرفين متساوية في الحجم والنوعية)، والحاجة إلى اتفاق عادل فيما يتصل بالتعامل مع اللاجئين، والصيغة التي سيتم بها تقاسم مدينة القدس.

نتيجة لهذا فقد عكس المفاوضون الفلسطينيون موقفهم بشأن أسلوب الخطوة خطوة في التعامل مع المفاوضات ـ وهو التوجه الذي أثبت فشله الذريع نتيجة لاستغلاله من قِـبَل المتطرفين على كل من الجانبين، ومنحه الإسرائيليين الوقت لإقامة المزيد من المستوطنات غير الشرعية وعلى هذا، كان المفاوضون الفلسطينيون يصرون على ضرورة التوصل أولاً إلى اتفاق عريض (كتابة) قبل الدخول في المحادثات.

ويخشى الفلسطينيون الآن أن تندلع نوبة أخرى من نوبات العنف إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق وفشلت هذه الجولة من المحادثات. ولكن ما يشكل أهمية عظمى بالنسبة للفلسطينيين الآن هو امتناع إسرائيل عن إقامة مستوطنات جديدة ومصادرة الأراضي، أياً كانت نتيجة المحادثات. تقول وزيرة خارجية الولايات المتحدة، كونداليزا رايس، إن إقامة دولة فلسطينية تشكل عنصراً من عناصر الأمن القومي بالنسبة للولايات المتحدة. إلا أن الدولة الفلسطينية لن تقوم الآن ولن تقوم بعد عشرة أعوام إذا ما استمرت إسرائيل في بناء المستوطنات في المناطق التي من المفترض أن تقوم عليها تلك الدولة.

 

 

 

 

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .