مارس 20 2001

الانتفاضتين…أوجه الشبه والاختلاف

نشرت بواسطة الساعة 12:00 ص تحت فئة السياسة الفلسطينية -

بعد وقت قصير من مقتل العمال الفلسطينيين الثمانية بدهسهم في غزة، من قبل سائق إحدى الشاحنات الإسرائيلية في 7/ 12/ 1987، بدأت الانتفاضة الأولى والتي استمرت 7 سنوات . وبشكل مماثل جاءت الانتفاضة الفلسطينية الراهنة بعد مقتل خمسة من المواطنين الفلسطينيين على أيدي جنود الاحتلال الإسرائيلي في المصادمات التي اندلعت للاحتجاج على زيارة زعيم اليمين الإسرائيلي أريل شارون للحرم القدسي الشريف في 28/9 /2000 .

ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين هذين الحدثين ؟

كلا الحدثان جاء بعد مرحلة سياسية حرجة وحساسة وفقدان الأمل في العملية السلمية. وقد ابتدأ كل من الحدثين بحادث مميز في إحدى المناطق، ولكن سرعان ما انتشر الاحتجاج إلى المناطق الفلسطينية الأخرى وبسرعة شديدة. وتصاعدت حدة هذه العمليات الانتفاضية الفلسطينية مع ازدياد عمليات القمع الإسرائيلية ومحاولتها سحق الانتفاضة في مهدها. وقد بدأت كلا الانتفاضتين بشكل جماهيري وعفوي. وبمرور الوقت بدأت التنظيمات الفلسطينية في إدارة شؤون الانتفاضة وقيادتها بهذا الاتجاه أو ذاك، وفي الحالتين نشأت قيادة موحدة غير معلنة للانتفاضتين.

طرائق الاحتجاج ومبادئها

في الانتفاضة الأولى سادت عقيدة الاحتجاجات الجماهيرية ذات الطابع السلمي، وبشكل أكثر تحديدا تركزت المطالب الجماهيرية بمقاطعة البضائع الإسرائيلية، والاعتماد على البضائع البديلة والمصنعة في المناطق الفلسطينية. وتركز حماس الفلسطينيون على كسر وتحدي اعتمادهم على المنتجات الإسرائيلية والاتجاه نحو الاعتماد على الذات. وزاد إقبال المواطنون على العودة للأرض لفلاحتها وحمايتها من المستوطنين اليهود. كما اتجه سكان المدن الفلسطينية إلى زراعة الحدائق الصغيرة أمام منازلهم الشبيهة بحدائق النصر التي شاعت في الحرب العالمية الثانية.

وعقائديا حاولت الانتفاضة الأولى التفريق بين معارضة ومقاومة الاحتلال وبين وجود إسرائيل كدولة (الأمر الذي لم يكن في ذلك الوقت قد جرى الاعتراف به من قبل الفلسطينيين ومنظمة التحرير بعد).

وقد أخذ الاحتجاج طابع الإضرابات ومقاطعة البضائع الإسرائيلية، إلى جانب طرق مختلفة أخرى للعصيان المدني. وأحد طرق العصيان المدني والذي أغضب جنود الاحتلال، هو القرار الفلسطيني الذي أتخذ آنذاك بعدم استخدام التوقيت الصيفي والشتوي والذي كانت إسرائيل تستخدمه لتوفير الوقت. وقد لجأ الفلسطينيون إلى تحديد مواعيدهم وفتح المدارس وإدارة أعمالهم استنادا للتوقيت الفلسطيني المختلف. وفي حالات كثيرة كان جنود الاحتلال يفحصوا ساعات المواطنين وإذا وجدت مخالفة لتوقيتهم عمدوا لكسرها.

وقد لجأ الفلسطينيون أيضا لاستخدام العنف كأحد وسائل الاحتجاج. فلجؤا إلى الحجارة باعتبارها السلاح المتاح والمتوفر لديهم لمهاجمة جنود الاحتلال والمستوطنين اليهود، الذين لم يكن لديهم خيارات أخرى سوى استخدام الطرق القريبة من التجمعات الفلسطينية، مما جعلهم أهدافا سهلة لحجارة الفلسطينيين.

ومع هذا فقد تغير اسم الانتفاضة الثانية، من انتفاضة الأقصى إلى انتفاضة الاستقلال ، وركزت بشكل اكثر وضوحا على هدف قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. ولم تبذل جهود كبيرة لاستخدام أو اللجوء للوسائل السلمية في تكتيكات الانتفاضة الثانية. وغالباً ما كان ذلك بسبب عودة إسرائيل للتمركز في المناطق الفلسطينية المأهولة إلى جانب أن العصيان المدني يمكن أن يضر بالمصالح الفلسطينية والسلطة الوطنية،أكثر مما يضر المصالح الإسرائيلية، ومحاولات مقاطعة البضائع الإسرائيلية ، جرى الأخذ بها، ولكن سرعان ما توقفت بمجرد فرض إسرائيل للحصار على كل المناطق الفلسطينية، واتجهت نتيجة لذلك الجهود الفلسطينية لفك الحصار المفروض على حركة المواطنين والبضائع.وجرى القيام بحملات مركزة وناجحة لمقاطعة البضائع التي تنتجها المستوطنات الإسرائيلية.

وعقائدياً كان على قيادة الانتفاضة الثانية أن تسير بين تناقضات صعبة. ففي الوقت الذي لم تعارض العملية السلمية، أو اتجاهات السلطة الوطنية، كان عليها أن تركز على دعوتها لتحقيق الاستقلال الفلسطيني الفوري وحل مشكلة القدس واللاجئين. لقد لعبت المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان ونجاحها دور المثل بالنسبة لقيادة الانتفاضة الثانية، والذين يرغبوا في رؤية إسرائيل تنسحب من جانب واحد، أكثر من رغبتهم باستمرار المفاوضات والتي لا نهاية محدده لها.

لقد كان اكبر برهان على ذلك رفع أعلام حزب الله في المسيرات الفلسطينية وعند تشييع الشهداء. وفيما كان بعض القادة الراديكاليون في الانتفاضة الثانية يركزوا على انتهاج طرق ووسائل حزب الله،كان القادة المعتدلون الآخرون يروون أن جهودهم يجب أن تنصب على مساعدة المفاوضين الفلسطينيين وتقوية أوراقهم التفاوضية. حتى أن شخصاً مثل مروان البرغوثي أكد على ضرورة تغيير طاقم المفاوضين الفلسطينيين وليس على إيقاف المفاوضات.

ورفض الاستيطان الإسرائيلي كان هدفا وما زال في الانتفاضة الثانية، ولجأت الانتفاضة الثانية إلى إطلاق النار على المستوطنين اليهود،ومهاجمة المستوطنات وخاصة تلك القريبة من أماكن التجمعات الفلسطينية، ولجوء الفلسطينيين إلى استخدام الأسلحة النارية، يشكل نقطة الاختلاف المركزية للانتفاضة الثانية. وبالطبع هذا الاستخدام جاء نتيجة طبيعية على استخدام إسرائيل للدبابات والصواريخ والمروحيات ضد الجماهير الفلسطينية والمواقع الفلسطينية المختلفة وبالتأكيد فإن إسرائيل لم تستخدم الأسلحة الثقيلة ضد الفلسطينيين في انتفاضة عام 1987.

تكتيكات الاحتجاج

في الانتفاضة الأولى استخدم الفلسطينيون تكتيك اضرب واهرب، باعتبار أن إسرائيل تحتل كل المناطق الفلسطينية وتديرها وهي متواجدة بها، فعليها أن تتوقع الضربات في كل المناطق. وهذا الحال لم يكن موجودا في الانتفاضة الثانية. إن وجود السلطة الفلسطينية وإدارتها للعديد من المدن والمناطق الفلسطينية، جعل المواجهات والاشتباكات تنحصر في مناطق محددة في المدن الفلسطينية وان الاشتباكات ستستمر لفترة زمنية أطول، وعليه فإن عدد الشهداء والجرحى أصبح في ازدياد وبشكل يومي. وهذا يعني أيضا أن عدد المعتقلين الفلسطينيين قد قل بشكل كبير، نتيجة وجود مناطق فلسطينية آمنة يمكن أن يلجأوا إليها. وبالمقابل فإن ثبات المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية في مواقع محددة أعطت القناصة الإسرائيليون فرصا أفضل لاختيار ضحاياهم من الفلسطينيين.

وفي الوقت الذي كانت تعتبر الإضرابات التجارية وإغلاق المدارس هو المظهر الأول للعصيان المدني في الانتفاضة الأولى، فإن قيادة الانتفاضة الثانية وقيادة السلطة الوطنية يعملون جنباً إلى جنب لاستمرار الحياة الطبيعية في المناطق الفلسطينية لإظهار أن المشكلة الرئيسية تتمثل في وجود القوات الإسرائيلية على مداخل المدن والمناطق الفلسطينية المختلفة.

قيادة الانتفاضة :

في الانتفاضة الأولى كانت م.ت.ف تعتبر منظمة غير شرعيه، وعضويتها تؤدي إلى الاعتقال والزج في السجون الإسرائيلية. ومع هذا فقد أنشأت الانتفاضة للمنظمة مظلة خاصة بها سميت” القيادة الموحدة للانتفاضة”. والتي كانت تصدر البيانات باسمها وتوزعها على كل المناطق الفلسطينية، عبر أعضائها ومناصريها (كما سيتضح في وسائل الاتصال لاحقا). وقد تشكلت القيادة الموحدة آنذاك من فصائل منظمة التحرير الأربعة، فتح، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والحزب الشيوعي الفلسطيني ( حزب الشعب).

أما الانتفاضة الثانية فتقاد بطريقة أخرى. فلم تعد منظمة التحرير منظمه غير شرعيه، كما ظهر حديثا منظمات أخرى من نوع حماس والجهاد الإسلامي، لذا فالقيادة في الانتفاضة الثانية تمثل ائتلاف القوى الوطنية والإسلامية في جبهة واحدة إلى جانب السلطة الفلسطينية ، وبدأت منظمة “تنظيم فتح “والتي تضم الكوادر المحلية هي الطرف الأقوى والأهم في قيادة الانتفاضة. وبحكم أن الطابع الشعبي هو الذي كان غالباً على الانتفاضة الأولى، فلم تظهر أسماء مميزه أو معروفه لقيادتها. ومن الممكن اعتبار مروان البرغوثي أحد قادة الانتفاضة الأولى والذي اعتقل من قبل إسرائيل، واصبح لاحقاً أمينا لسر فتح في الضفة الغربية من أبرز قادة الانتفاضة الثانية أيضا.

الاتصالات والتغطية الإعلامية

استخدمت الانتفاضة الأولى جهاز الفاكس كوسيلة اتصال تربطها بالمناطق وقيادتها في الخارج. وقد استخدم الفلسطينيون مكاتب خاصة في القدس الشرقية للاتصال عبرها مع نقاط اتصال خاصة كانت منتشرة في قبرص وروما وأثينا وباريس، ومن هذه المواقع كان يجري الاتصال بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس. وفي عملية الاتصال الداخلي لجأت قيادة الانتفاضة لتوزيع المناشير واستخدام مكبرات الصوت في المساجد لإبلاغ المواطنين بقراراتها وتوجهاتها، فلم يكن لدى الفلسطينيون آنذاك ، محطات إذاعة أو تلفزة خاصة بهم. حتى أن إذاعة القدس التي كانت تبث من سوريا وظهرت مع بداية الانتفاضة الأولى جرى التشويش عليها من قبل إسرائيل.

وحتى تتمكن قيادة الانتفاضة الأولى من إبقاء صلاتها مع الجماهير كان عليها أن تتغلب على مشاكل عديدة. فقد كانت غالبية وسائل الأعلام الأجنبية ومراسليها متواجدين في تل أبيب وتربطهم علاقات متينة مع السلطات الإسرائيلية . وغالبا ما كانت بيانات الحكومة الإسرائيلية والناطق العسكري تنشر كما هي ويعاد بثها عبر وسائل الأعلام الأجنبية، أي أن وجهة النظر الإسرائيلية ورؤيتها للأحداث هي التي كانت معتمدة لدى وسائل الأعلام الأجنبية. وكان المراسلون إما إسرائيليين أو يهودا هاجروا إلى إسرائيل ولا يزالوا يحملوا جنسيات أخرى. ولم يكن هناك أي فلسطيني يعمل مراسلا لوسائل الأعلام الأجنبية أو يعمل مراسلا للإذاعة أو التلفزيون الإسرائيلي الموجودة مكاتبها في تل أبيب. ولم يكن في الانتفاضة الأولى وجود لأي نقطة اتصال إليكترونية متاحة للاستخدام من قبل الفلسطينيون في مناطقهم أو حتى في إسرائيل. فحتى المصورين العاملين في وسائل الأعلام الأجنبية كانوا إما أجانب أو إسرائيليين. وبما أن قيادة الانتفاضة الأولى كانت سرية، كان من الصعب عليها تعيين ناطق رسمي باسمها، يمكنه التحدث مع وكالات الأنباء بمصداقية ، وإن وجد كانت تنقصه الخبرة في مجال العلاقات العامة، والقليل يمكن أن يتحدث اللغة الإنجليزية أو يعرف فن الظهور أو استخدام الأعلام التلفزيوني.

أما في الانتفاضة الثانية فقد اختلفت تماما وسائل الاتصال ووسائل الإعلام. فقد أمتلك الفلسطينيون وسائل الاتصال الخاصة بهم، وانتشرت كذلك محطات الإذاعة والتلفزة الفلسطينية الرسمية والخاصة، إلى جانب انتشار استخدام مواقع الاتصال الإليكترونية. ولم يعد هناك حاجة لتوزيع البيانات أو استخدام مكبرات الصوت في المساجد، عندما يكون هناك إذاعة صوت فلسطين أو محطة تلفزيونية فلسطينية والعديد من محطات إذاعة ألإف إم ومحطات التلفزة الخاصة. وللتأكيد على قوة هذه المحطات ودورها الفاعل في الانتفاضة الثانية، فقد عمدت إسرائيل مبكرا إلى إيقاف بثها من خلال القصف العسكري المباشر لمواقع البث والاستوديوهات الخاصة بصوت فلسطين. ولكن عادت إسرائيل وتوقفت عن مثل هذه الأعمال خاصة بعد أن بدأت المحطات الخاصة تستخدم موجات نشرات الإذاعة الفلسطينية الرسمية. وأصبح من الصعوبة بمكان أن تقوم إسرائيل بقصف وتدمير سبعة محطات إذاعة إف إم وواحد وعشرون محطة تلفزيونية محلية في الضفة الغربية وحدها.

وقد حلت وسائل الاتصالات الحديثة سريعا محل البيانات. ففي الانتفاضة الثانية تستطيع محطات الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية إذاعة البيانات وإجراء المقابلات السياسية وبث تعليمات القيادة أولا بأول وعلى أوسع نطاق. وتقوم هذه المحطات ليس فقط ببث أخبار القصف العسكري الإسرائيلي للمواقع الفلسطينية وعمليات القتل التي تقوم بها قوات الاحتلال، بل أيضا أصبحت تقوم ببثها بشكل حي وعلى الهواء مباشرة. ومحطات التلفزة المحلية غالبا ما تضع كاميراتها خارج النوافذ وتركزها على مواقع خاصة والتي يمكن أن تشهد اشتباكات مباشرة بين الجماهير الفلسطينية وقوات الاحتلال وذلك لإعطاء صورة حيّة ومباشرة للأحداث الجارية على الأرض. ولعدم قدرة وكالات الأعلام الأجنبية وكذلك التلفزيون الإسرائيلي على الوصول للمناطق الفلسطينية بسبب استمرار المواجهات، فإنها أصبحت تعتمد على ما تبثه المحطات الفلسطينية الخاصة. وأحيانا تلعب هذه المحطات التلفزيونية الفلسطينية دور صلة الوصل بين أجهزة السلطة الوطنية والمواطنين وذلك بتلقي هواتفهم لسرعة نجدتهم أو تقديم الإسعافات الصحية وخدمات الطوارئ والدفاع المدني. وقد خصصت هذه المحطات الخاصة ساعات بث طويلة وخاصة في أوقات المساء للمقابلات السياسية وتلقي هواتف المواطنين، وعلى نطاق واسع.

ويمكن اعتبار التغطية الإعلامية للفضائيات العربية التطور الأكثر أهمية في الانتفاضة الثانية. فقد لعبت هذه الانتفاضة بالنسبة للفضائيات العربية نفس الدور الذي لعبته حرب الخليج الثانية بالنسبة لمحطة CNN . وقد استطاعت هذه الفضائيات وعبر مر اسليها الميدانيين وعبر أجهزة الإرسال الفضائية في القدس ورام الله وغزة من بث وقائع أحداث الانتفاضة الثانية حيّة وعلى الهواء مباشرة وعلى مدار ساعات اليوم بكامله.

وقد حققت تغطية الفضائيات العربية لأحداث الانتفاضة عدة أهداف في وقت واحد فقد زودت المجتمع المحلي الفلسطيني ساعة بساعة بكل المعلومات والتحليلات الخاصة بمجريات الأمور، في نفس الوقت الذي زودت الفلسطينيين في المهاجر والشعوب العربية كذلك بكل التطورات الجارية ميدانيا يوما بيوم وساعة بساعة. وقد شكل ذلك فرصة للشعوب العربية لمراقبة مواقف حكوماتها، والخطوات التي اتخذتها هذه الحكومات لمواجهة الأحداث. وقد اضطرت المحطات الرسمية العربية للتخفيف من رقابتها على وسائل أعلامها، وإعطاء مساحات أكبر من حرية النشر لإرضاء شعوبها.

وكان الفلسطينيون في الانتفاضة الثانية مهيئون أكثر. فالصحفيون الفلسطينيون الآن يمثلون ويراسلون كل وسائل الأعلام الأجنبية، والمصورون الفلسطينيون هم وحدهم القادرون على العمل في المناطق الفلسطينية لصالح الوكالات الأجنبية(رويترز، و أسشيوتد برس والفرنسية ), ونتيجة لذلك فقد تمكنت وسائل الأعلام الفلسطينية والعاملين بها من الدخول وبشكل استثنائي إلى نادي الإعلام الدولي. ويمكن اعتبار رولا أمين والتي بدأت العمل مع محطة CNN في الانتفاضة الأولى والتي أصبحت المراسل الرئيسي لهذه المحطة، أفضل مثلا لهذه المجموعات الإعلامية.

كما أتاحت الانتفاضة الثانية المجال للسياسيين الفلسطينيين، وخاصة أولئك القادرين على التحدث بالإنجليزية ولديهم معرفة وخبرة بإعطاء التصريحات المتلفزة وأسس العملية الإعلامية، أتاحت لهم الانتفاضة الثانية المجال للتعبير عن أنفسهم والمواقف وأصبحوا هدفا لمراسلي وسائل الأعلام المختلفة لإجراء المقابلات معهم، أو حتى الحصول على تصريح سريع ومقتضب من أحدهم.

الرموز

من الممكن الإشارة إلى بعض المتغيرات التي حدثت في الانتفاضتين، وخاصة فيما يتعلق ببعض الأحداث الميدانية الهامة. فمثلا في الانتفاضة الأولى كان مراسلو الوكالات الأجنبية هم الذين نقلوا تصريحات وزير الدفاع اسحق رابين آنذاك، تعليقا على التقرير المصور والذي صّور الجنود الإسرائيليين وهم يقوموا بتكسير عظام أيدي شبان الانتفاضة، والذي قام بتصويره مراسل محطة CBS باستخدام عدسات وكاميرا خاصة تصّور عن بعد، وهو مراسل إسرائيلي مقيم في أحد الكيبوتزات.

في الانتفاضة الثانية تغير المشهد. طلال أبو رحمة، الصحفي الفلسطيني والذي يعمل مراسلا للقناة الثانية في التلفزيون الفرنسي هو الذي قام بتصوير الشريط المصور الذي سجل لحظات استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدّرة، البالغ من العمر اثني عشر عاما، بينما كان والده يحاول حمايته من وابل النيران الإسرائيلية.

الموسيقى وأشرطة الفيديو:

لقد بقي المثلين السابقين في ذاكرة مشاهدي التلفزيون في كل أنحاء العالم. وقد لعبت هذه المشاهد المؤثرة دورا كبيرا في دعم العالم ووقوف قوى عديدة إلى جانب الشعب الفلسطيني أكثر مما كان عليه الحال في الانتفاضة الأولى، خاصة في مجال الفن والموسيقى. فمعظم الموسيقيون والفنانون العرب، خاصة في مصر ولبنان أخذوا من استشهاد الطفل محمد الدّرة مثلا يجب أن يحتذى به، فكتبوا وغّنوا له ولشهداء الانتفاضة الثانية. وتم تسجيل هذه الأغاني على أشرطة الفيديو كليب بسرعة، وأخذت كل الفضائيات العربية ببثها. كما قامت الإذاعات العربية ببث هذه الأغاني والأناشيد وبشكل مستمر، مما دفع الإسرائيليون للتذمر والشكوى والقول، إن الفلسطينيين هم الملومون لأنهم يحرضوا أطفالهم على التواجد في مواقع الخطر والزج بهم في أماكن الاشتباكات لكي يقتلوا.

الخلاصة:

دخلت كلمة الانتفاضة قاموس اللغة العالمي، بفعل الانتفاضة الأولى، باعتبارها هبّة شعبية جماهيرية. ونفس الكلمة استخدمت للدلالة على أحداث الأقصى وسميت انتفاضة الأقصى عام 2000 ، وشيئا فشيئا تحولت إلى انتفاضة الاستقلال. كلا الحدثان دلاّ على تحرك شعبي واسع ضد سياسة الأمر الواقع، وضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسياسة الاستيطان وبهدف تحقيق الاستقلال وقيام الدولة المستقلة في الضفة وغزة. ولم تكن هناك مفاوضات بين الطرفين في الانتفاضة الأولى، ولكن البعض يعتقد أن اتفاقية أوسلو هي من نتائجها. وجاءت الانتفاضة الثانية كتعبير عن سخط ويأس الفلسطينيون في السنة السابعة للمفاوضات المستمرة مع الإسرائيليين دون أن تؤدي إلى إقرار إسرائيل بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بل أدت إلى عودة الدبابات الإسرائيلية للتمركز على أبواب المدن الفلسطينية المختلفة.

وعلى الرغم من وجود نقاط تشابه عديدة بين الانتفاضتين، لكن تبرز اختلافات واضحة للانتفاضة الثانية عن الأولى، من نوع وجود القيادة الشرعية الفلسطينية في وطنها، إلى جانب وجود المقاتلين المسلحين علنا في المناطق الفلسطينية. كما ميّز الانتفاضة الثانية الاهتمام الإعلامي الكبير بتطور الأحداث، وزاد الفلسطينيون من اهتمامهم بالعلاقات العامة وكيفية مخاطبة وسائل الإعلام المختلفة للتأثير على الشعوب وجلب الدعم للفلسطينيين من قبل المجتمع الدولي.

لقد أعتبر التوقيع على الاتفاقية المؤقتة، هو أقصى ما كان يمكن تحقيقه كنتيجة للانتفاضة الأولى. ولكن قيادة الانتفاضة الثانية اليوم ترفض العودة مجددا للاتفاقيات المؤقتة. والحل الوحيد المقبول للقيادة الراهنة هو تحقيق قيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس في كل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحقيق حل عادل ومشرف لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وحتى يتم تحقيق ذلك، فإنه من المتوقع أن تستمر الانتفاضة الثانية، بهذا الشكل أو ذاك.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .