سبتمبر 29 2002

رياح الحرب ضد الارهاب تترك آسيا الوسطى في خطر

نشرت بواسطة الساعة 12:00 ص تحت فئة أميركا والشرق اﻷوسط -

تعليق اوراسيا بقلم أحمد راشد

إن النجاح المستقبلي للحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب تعتمد أقل على القبض على بقايا عناصر القاعدة من التأكيد على أن تصعيد المشكلات السياسية التي تعصف في جيران أفغانستان لن تؤدي إلى عدم استقرار كبير في كل المنطقة .

فبعد تسعة أشهر من هزيمة طالبان، فإن إدارة بوش لا زالت تركز بشكل مبدأي على حربها العسكرية والاستخباراتية ضد القاعدة ، وليس على تطوير إستراتيجية سياسية وإقتصادية لاستقرار أفغانستان . وفوق هذا ، فالرؤية الاستراتيجية الأمريكية للمنطقة التي تدفع باكستان وإيران وجمهوريات آسيا الوسطى الخمس نحو إصلاحات سياسية وإقتصادية أكثر هي الآن موقوفة بسبب كثافة الحوار في واشنطن حول الاطاحة بنظام الرئيس صدام حسين .

بينما أصبحت القاعدة قوة غير متوقعة ، استهلكت واشنطن نفسها في حوار الاطاحة بحسين . هذا الحوار الذي خلق الادراك في أوروبا والعالم الإسلامي أن سياسة الولايات المتحدة الخارجية غير متناسقة وغير قابلة للتنبؤ .

على الرغم من أن القاعدة قد فقدت قواعدها ومركزها القيادي في أفغانستان ، فان الفشل التكتيكي من قبل القوات العسكرية الأمريكية سمح لمئات ، إن لم يكن لآلاف من مقاتلي القاعدة الهرب ، والتسلل إلى العالم كمجموعات إرهابية أكثر سرية وخطورة والتي قد تمارس هجمات جديدة ضد أهداف غربية .

وبقيت أفغانستان حساسة ، فهجوم السيارة التي إنفجرت في كابول ومحاولة إغتيال الرئيس حامد كرزاي في 5 أيلول تبينان كم بقي أمن أفغانستان هشاً . فبعد تسعة شهور من تسلمه قيادة أفغانستان لم يستطع كرزاي بسط سلطته المركزية لتشمل كامل الدولة وايجاد صيغة سياسية لكبح القوى العسكرية للقادة العسكريين خارج العاصمة .

ببساطة فإن المجتمع الدولي فشل في أن يعطي أفغانستان الأمن وإعادة الاصلاح . وقوات الأمن الدولية التي يفترض أن تحفظ الأمن في كابول وخمس مدن أخرى لا زالت فقط 5000 جندي في كابول . والمساعدات والقروض التي وعدت بها دول العالم لاعادة البناء ، والتي يحتاجها كرزاي لكي يحول أنظار المواطنين بعيداً عن المليشيات قد تأخرت . ففي مؤتمر طوكيو الذي عقد في يناير ، قررت دول العالم دفع مساعدات بقيمة 5 ,4 مليار دولار لاعادة البناء ، منها 1.8مليار هذا العام .

وحسب نائب سكرتير الدفاع باول والف وتيز ، “بالكاد 30% ” من هذا المجموع وصلت إلى صندوق أفغانستان ، وما وصل من مساعدات لم تجد نظام اعتماد أو نظام مصرفي لايداعها. وقد قال والف وتيز في البنتاغون ” إهتمامي الوحيد والكبير هو أن المساعدات الاقتصادية التي تم الوعد بها في مؤتمر طوكيو والتي أعتبرها أنا ضرورية ، هي ليست للأغراض الاقتصادية فقط بل أيضا لأهداف سياسية وأمنية ، لم تأت بالكميات وبالمستويات التي أردناها” وأضاف ” أنا لا أعرف كل الأسباب لماذا ، لكني لا أرى أي سبب لماذا يكون الحال هكذا ” .

وكما يقترح إهتمام والف ويتز ، فإن البنتاغون يقدر المخاطر الملازمة لترك مؤسسي أفغانستان . فقد قال والف ويتز أن الولايات المتحدة لم تعد تعارض توسيع مهمة قوات الأمن الدولية ، لكنها ترفض إرسال قوات لحفظ السلام . وبغض النظر عمن يدير قوات الأمن الدولية ، فإن أفغانستان ستكون في بؤرة العاصفة السياسية.

إن دول وسط آسيا أيضا ستواجه مخاطر عدم الاستقرار فاوزباكستان ، كاراجستان وطاجيكستان قد استضافت قوات عسكرية غربية أثناء الحرب في أفغانستان ، واستعملت هذه الدول أهمية موقعها الجغرافي كذريعة مقنعة لاخضاع خصومها السياسيين . وبدون رؤية تقود سياسة المنطقة ، فإن الاتفاقيات الأمريكية مع دول وسط آسيا ستعمل القليل في تثبيط أو معاقبة القمع .

لذلك وقعت كل من كاراجستان وأوزباكستان في شباط وآذار معاملات إستراتيجية مع الولايات المتحدة تبين الحاجة لاصلاحات سياسية وإقتصادية . لكن إدارة بوش توانت في ربط إستمرارية المساعدات مع الاصلاحات السياسية والاقتصادية . وهذا سمح لرؤساء دول وسط آسيا لجمع المساعدات بينما يسيرون بعيداً عن الطريقة الديموقراطية .

ويواجه الرئيس الكاراجستاني اسكار اكاييف ، معارضة منظمة ومتنامية ورفض القيود على قوته بعد المواجهات بين الشرطة والمواطنين التي تركت على الأقل خمسة قتلى في آذار . حتى كاريموف رفض السماح للأوساط الاعلامية الاوزبيكية نشر نص الاتفاقية مع الولايات المتحدة ، تلك الاتفاقية التي تشتمل أن تضمن اوزباكستان تكثيف التحول الديموقارطي لمجتمعاتها سياسياً واقتصادياً . بينما يشجع تواجد القوات العسكرية الغربية القادة الحاليين ، فانها أيضاً تحي الأمل في الديموقراطية بين القوى السياسية لدول وسط آسيا . فالحركات السياسية في كل دولة في وبين السياسيين المبعدين إزدادت كثافة . فلأول مرة في هذا العقد من الزمن يواجه كل من اكاييف والرئيس الكازاخستاني نور سلطان نازارباييف احتجاجات من الشارع ومكالمات مفتوحة تطالب باستقالتهما .

إن لم يتلق القادة من أمثال الكاراجستاني اكاييف تحذيرات قوية من الولايات المتحدة ، فالأزمة السياسية في العديد من البلدان أمر محتوم خلال الشهور القادمة . هذه البلدان ليس لديها آليات تطوير وبدون مراكز إجتماعية مدنية وان وجدت فهي ضعيفة ، مما يجعل عدم الاستقرار طويل الأمد أمر مضمون . فقد قال دبلوماسي أمريكي رفيع المستوى ” ان البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأمريكية تدير سياسة في المنطقة وان اهتمامهم ليس في الاصلاح بل في الوصول إلى الأساس ” .

أما جيران أفغانستان الآخرين الذين يعتمدون بشكل متزايد على قوة الدولة يبقون في عدم استقرار . فباكستان التي وجد فيها مقاتلو القاعدة مأوى تواجه خلافات حول انتخابات 10 أكتوبر بينما تستخدم الهند الميالة للقتال لغة بوش المنمقة ضد الإرهاب ذريعة لتعليق المفاوضات حول اقليم كشمير المتنازع عليه .

أما إيران التي وصفها بوش في كانون ثاني كجزء من ” محور الشر ” تتخبط في مأزق سياسي شعبي بين حكومة الوسط للرئيس محمد خاتمي والفقهاء المتشددين . ففي تموز ، أبعدت واشنطن نفسها أكثر من خاتمي بقولها أن سياساته المعتدلة قد فشلت في إيجاد أي تغيير . وسياسة الولايات المتحدة الآن سوف تهدف لدعم الشعب الايراني – السياسة الغامضة التي انتقلت لتقوية الفقهاء المعروفين بمحاولاتهم إضعاف مكانة خاتمي والذين صوتوا لدعم كل الجماعات الاسلامية المناهضة للغرب ابتداء من وسط آسيا حتى الشرق الأوسط .

إن عدم الاستقرار السياسي هذا هو بالضبط ما تريده القاعدة والجماعات الاسلامية المتطرفة . فباكستان غير المستقرة مزقت بين الجيش والسياسيين أو الحرب بين الهند والباكستان التي تقود إلى هزيمة إسلام أباد وربما تخلق باباً لقيام لدولة إسلامية في الباكستان .

إن إنهيار واحد أو أكثر من الأنظمة الحكومية في وسط أسيا في غياب البدائل الديموقراطية والأساس الصلب والمتين قد يخلق منفذاً لحركات جديدة ومراكز تحكم للارهاب. وان استمرت واشنطن بدعم الأنظمة البالية دون وضع ضغوط أقوى عليها فإن عدم التوازن السياسي والاقتصادي ربما يزداد سوءاً .

لقد تنامى عند الشباب في المنطقة روح الإحباط مع ركود الاصلاحات والدخل. فالعالم العربي والاسلامي غير مذهولين لافتقار أمريكا لايجاد حل لقضية أفغانستان . ورفض العالم الإسلامي لوعود بوش الإطاحة بصدام حسين مرتبطة في المخاوف ان واشنطن ليس لديها استراتيجية طويلة الأمد لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أو لاستقرار العراق .

بالنظر إلى وسط آسيا ، فإن الكثير من المسلمين يرون ولايات متحدة مولعة بالقتال ، لا تريد إعادة بناء البلدان ولا تمارس ضغطاً على دكتاتور متحالف مع واشنطن . ولعمل حرب فعالة ضد الإرهاب فان الولايات المتحدة عليها أن تطور ثم تكسب نفسها صورة جديدة في المنطقة .

الكاتب : أحمد راشد ، صحفي ومؤلف كتاب “طالبان : الكفاح الإسلامي والأصولية في وسط آسيا ” وكتاب “جهاد: الكفاح الإسلامي في وسط آسيا ” .

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .