أكتوبر 16 2015

انتفاضة القدس

نشرت بواسطة الساعة 1:45 ص تحت فئة مقالاتي,السياسة الفلسطينية -

زاوية تكوين/موقع عمان نت

بقلم داود كُتّاب *

الانتفاضة في المفهوم الفلسطيني ليست عملية ثورية ضد المحتل فحسب، إنما وقفة حساب داخلي لما نقدمه إلى القدس، وأين تقع ضمن أولوياتنا.

رغم محاولات البعض إبعاد البوصلة، إلاّ أنه من الخطأ تغييب العنصر الأساسي في الأحداث التي انفجرت في القدس في مطلع الشهر الحالي. الهبة الحالية تعكس بما لا يترك أي شك حجم الإحباط واليأس الذي يشعر به المقدسيون بسبب تجاهل العالم العربي وحتى القيادة الفلسطينية لهم، متجاهلين نضالهم العنيد ضد تهويد القدس وتأكيداً على عروبتها، لذلك لا يمكن تحريف أو إبعاد التركيز عن جوهر القضية، التي فرضها شبان وشابات مسلمين ومسيحيين، مصرّين جميعهم على ضرورة وضع موضوع القدس على رأس الأولويات، وليس في آخرها كما اعتدنا سنوات طويلة.

لقد تبين جهل، إن لم أقل تجاهل، القيادة الفلسطينية في تعاملها مع ملف القدس من خلال خطاب الرئيس محمود عباس المقتضب، الذي يبدو أنه جاء بناء على طلب من الراعي الأمريكي في محاولة لتهدئة الأوضاع. الخطاب، طبعاً، لم يتجاوز ست دقائق أكد خلالها عدد من المواقف الفلسطينية المعتادة، وأشاد بالثوار المنتفضين لكنه وقع في خطأ سبّب ارتباكاً وضرراً سياسياً للرواية الفلسطينية. في محاولة الرئيس عباس تعداد الجزائم الإسرائيلية ركز على عمليات الإعدام الميدانية، وقدم مثالاً ما أسماه إعدام الطفل الفلسطيني أحمد مناصرة، ودعم كلامه بعرض صورة الطفل المذكور. المصيبة أن مناصرة لم يكن قد أستشهد بعد رغم قول الإسرائيليين إنه تم “تحييده”، وقدمت “إسرائيل” الإثبات على ذلك بعرض صورة له تظهره يتعافى في إحدى المستشفيات الإسرائيلية.

المشكلة ليست في هذا الخطأ، الذي قد يلام على وجود مساعد متهور للرئيس أو على الاستعجال في تحضير الخطاب، غير أن عباس لم يكن يعرف أي شيء عن المصاب أو حاول الاتصال بعائلته قبل خروجه على الهواء. وكما اعتبر الخبير القانوني ماجد العاروري ما حدث بمثابة خطيئة كبرى حيث جاء على موقعه “لو أن الطاقم المحيط بالسيد الرئيس كان يتابع بجدية وبما يلائم مستوى الحدث لما وقع في هذه الخطيئة، ولأشار على السيد الرئيس أن يبادر للاتصال بعائلة مناصرة قبل الخطاب لمواساتها في الحدث، إن لم يكن زيارة بيت العزاء وإلقاء الخطاب في بيت عزاء الشهيد أو أحد الضحايا الأطفال، وفي أقل الأحوال أوفد عنه من يمثله لتقديم العزاء بالشهيد. لو فعل الطاقم ذلك لكان اكتشف الخطأ”.

خطيئة الرئيس ليست محصورة بقضية الطفل المصاب، بل بكل أولويات القيادة الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق المدينة التي لا نسمع صباحا أو مساء بأنها العاصمة للدولة الفلسطينية. فهل يعقل أن تقوم ميزانية فلسطين (بشقيها؛ السلطة والمنظمة) بصرف ثلاثة ملايين دولار سنوياً فقط في القدس؟

من المعروف أن “إسرائيل” تمنع السلطة الفلسطينية من العمل في القدس، لكنها حسب الاتفاقيات المبرمة تسمح بعمل منظمة التحرير فيها، وهو الأمر الذي كان يعمل من خلاله المرحوم فيصل الحسيني وآخرون ممن كانوا يشعرون مسبقاً بتجاهل غير مبرر لهم وللقدس منذ سنوات، إذ ترك القدس وسكانها، الذين يزيد عددهم عن 350 ألف مواطن، بمثابة “أيتام” لا أحد يهتم بهم ويتابع مشاكلهم ومصاعبها سوى تلك التي لها علاقة برجالات السلطات وتنفيعاتهم.

هل يعقل بأن منظمة التحرير الفلسطينية بكل ميزانياتها وقدراتها ومقراتها وموظفيها لا تستطيع أن تحسّن وضع أهلنا في القدس. فمن الواضح أن صرف ثلاثة ملايين، في السنة، يعد أمراً مخزياً للقيادة الفلسطينية وللعالمين العربي والإسلامي. لو نظرنا إلى ما تصرفه أصغر مؤسسة إسرائيلية أو يهودية (وليس الدولة الإسرائيلية) في دعم عمليات التهويد والسيطرة على القدس لوجدنا أنها أضعاف الميزانية الكاملة الفلسطينية المرضودة للمدينة المقدسة.

الكل يضغظ الآن على الرئيس الفلسطيني بأن يجتمع مع جون كيري ونتنياهو والملك عبد الله الثاني في عمّان. أليس من الأولى أن يتم الاجتماع في القدس وفي بيت الشرق المغلق من قبل “إسرائيل” منذ عام 2001، علماً أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كان قد وفر رسالة تطمينات للجانب الفلسطيني إبان مؤتمر مدريد بأن يتم إبقاء المؤسسات المقدسية العاملة كافةً قبل بدء المفاوضات وأن تستمر بعملها. إضافة إلى بيت الشرق، الذي كان مقر لمنظمة التحرير، وخرج منه وفد فلسطين إلى مدريد، فإن هناك مؤسسات أخرى مثل الغرفة التجارية المقدسية التي لا تزال مغلقة بأمر عسكري من الجانب الإسرائيلي.

إن كان لانتفاضة القدس أي دور هام، فيجب أن يتمثل في إعادة ترتيب الأولويات الفلسطينية فيما يخص القدس، بتوحيد المرجعيات والجهود وتقديم دعم يوازي معنى أن تكون عاصمة لدولة فلسطين. لقد أثبت المقدسيون وباقي الشعب الفلسطيني بطولات يسجلها التاريخ، ومن المؤسف أن لا يرتقي من هم في مواقع القيادة لتلك المستويات، أو أن يتركوا مناصبهم لمن يستطيع أن يقدم للقدس ما قدمه المقدسيون لكل فلسطين.

 

* داود كتّاب: مدير عام شبكة الإعلام المجتمعي. أسس العديد من المحطات التلفزيونية والإذاعية في فلسطين والأردن والعالم العربي.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .