أكتوبر 08 2014

أحلام عالقة أحلام محطمة

نشرت بواسطة الساعة 1:23 م تحت فئة مقالاتي,السياسة الفلسطينية -

موقع دوت مصر

بقلم داود كُتّاب

عندما التقيت بإسلام البربار في مطعم في غزة في عام 2012 بينما كنت في مهمة في مجال حقوق الإنسان، أعجبت بمزاجها البهيج لكنني فوجئت بشعورها باليأس.

على الرغم من أن البربار كانت تنشر تقارير إعلامية وتدير مركزها في التدريب الإعلامي وكانت ناشطة في قضايا حقوق المرأة إلا أن المكان الوحيد الذي كانت تحلم بزيارته هو الضفة الغربية المحتلة.

ليس فقط أنها لم تزر أجزاء أخرى من فلسطين، إلا أنها وهي في السادسة والعشرين من عمرها لم تغادر قطاع غزة المحاصر قط. التقرير الذي أصدره معهد الصحافة الدولي بعد زيارتنا أكد على ضرورة توفير حرية التنقل بين غزة وكل من الضفة الغربية وإسرائيل.

من جهتي أنا، فقد نجحت في دعوة إسلام لتحضر مؤتمر أصواتنا للإذاعات المجتمعية في القاهرة في عام 2013 الذي شاركتُ فيه.  والعاملون في تلك الإذاعات ممن حضروا تبادلوا الأفكار حول كيفية إنشاء وإدارة وتمويل محطة إذاعية مجتمعية.  والفكرة التي لاقت رواجاً كانت تقتصر على البدء بإنشاء محطة إذاعية على الإنترنت ومن ثم الإنتقال إلى مجال ال FM.  عادت إسلام إلى غزة متحمسة من إمكانية انخراطها في مجال البث الإذاعي وصممت إنشاء محطة إذاعية تركز على قضايا المرأة.

خلال عام من الزمن كانت إسلام قادرة على تأمين منحة صغيرة من مؤسسة حلول الإعلام المجتمعي (CMS) ومقرها في المملكة المتحدة، من خلال معهد قرية للإعلام، وهي منظمة فلسطينية غير حكومية أعطتها أيضاً الدعم التقني. تم إطلاق موقع نساء غزة Nissagaza.com في 30 نيسان/إبريل 2014 من مركزها الإعلامي في غزة بحضور منظمات نسائية محلية وناشطات وقادة محليين من مختلف الاتجاهات. أكثر ما كانت إسلام متحمسة له في يوم الإطلاق هو الفاصل الموسيقي الذي تم إنشاؤه للمحطة النسائية الجديدة بواسطة رجل مؤيد للفكرة.  فهي تستخدم قصتها هذه والمتطوعين المؤلفين من رجال ونساء في محطتها الإذاعية لتأييد فكرة النوع الإجتماعي أي أن قضية المساواة بين الجنسين ليست مسؤولية حصرية بالنساء.

بدأت البربار، التي تأتي من عائلة متحررة في منطقة جباليا شمال قطاع غزة، تقضي ساعات مكثفة في الاستوديو. كان على المتطوعين أن يخضعوا للتدريب والبرامج الإذاعية أن يتم الإشراف عليها وأن يتم إيجاد تمويل متواضع.  شعرت أن عليها أن تدرب النساء على المهارات الفنية والصحفية وعلى زيادة وعيهم كذلك. وفي غضون أشهر من البث المباشر على الهواء، كانت المحطة الإذاعية قد بدأت تعج بالناس والأفكار. وفي وقت قياسي كانت إسلام والمحطة قد أصبحتا معروفتين، وزينت شهادات التقدير ولوحات أخرى مكتبها والاستوديو.  وبدأت الأفكار لبرامج جديدة ولدعوات التعاون والشراكة بالتدفق.

تم بث أربعة عشر برنامج إذاعي منفصل معظمها أنتجها وقدمها متطوعون خلال شهر رمضان في هذا الصيف.  في حين أن البث لا يزال على الانترنت، إلا أن عدد المستمعين النشطين المتزايد فاجأها بسرور. وقالت:  “في البداية عندما كان يصل عدد المستمعين إلى 500 كنت أحتفل.” ومنذ ذلك الحين، بلغ عدد المستمعين للبرنامجين الرائدين “حديث البنات” و”دنيا النساء” إلى ألفي مستمع (2000).  وكانت ردود الفعل على وسائل الإعلام الإجتماعية  ترفع المعنويات.

الشكوى الأكبر التي كانت تتلقاها كانت تأتي من المستمعين الذين يريدون أن تكون محطة البث على ال FM بحيث يتمكن الآخرون أيضاً التمتع بالبرامج والموسيقى التي كانت تشرف عليها شخصياً. تضمن برنامج “حديث البنات” الذي كانت إسلام تقدمه أربع فتيات يدردشن حول القضايا اليومية التي تهم الفلسطينييات الأصغر سناً، بينما كان برنامج “دنيا النساء” موجه إلى الجيل الأكبر سناً بقليل ويعالج قضايا مثل جرائم الشرف والعنف في المنزل والطلاق.

في شهر رمضان، عالجت إحدى الحلقات التي لاقت رواجاً موضوع عصبية الرجال الفلسطينيين بسبب ساعات الصوم الطويلة.  وأنتجت أبحاث حول الطلاق حقيقة مثيرة للإهتمام. الخلع الذي هو حق النساء في تطليق أزواجهن أصبح ممكناً،على ما يبدو، في غزة، على الرغم من أن عدداً قليلاً من النساء يعرفن أن لديهن هذا الحق.  وقلة أيضاً يستخدمنه فعلاً.

ولكن إذاعة نساء غزة  لم تكن لديها أبداً أية فرصة لإطلاع المستمعين على هذا الإكتشاف المهم.

عملت إسلام يوم الاثنين في 25 آب/أغسطس حتى الساعة السابعة مساء.  قبل مغادرتها، قامت بالإشراف على برنامج طبي قدمه خبير التغذية الطبية الدكتور محمد حمودة الذي حاول إلى جانب مذيعتين هما هبة زقوت وإسراء البابا تقديم نصائح صحية لمستمعيهم.  وتابعت أيضاً مع إحدى زميلاتها التقرير الذي سيتم بثه في برنامج دنيا النساء في اليوم التالي بشأن تثقيف نساء غزة بحقهن بالخلع (الطلاق) إذا ما اخترن استخدامه.

ومن المنزل، تابعت إسلام الأنباء حول إخلاء المباني العالية مثل البرج الذي تعمل فيه بعد نداءات من الإسرائيليين بأن تلك الأبنية مستهدفة. الجميع كان يعرف أن الحرب على غزة كانت على وشك أن تنتهي وكان واضحاً أن إسرائيل كانت تريد تحسين موقفها التفاوضي. كانت إسلام قلقة بشأن إخلاء المبنى حيث الإذاعة ولكنها ظنت أن هذا ما هو إلا خطوة احتياطية وفي أسوأ الأحوال فإن هناك مكتب ما سيتضرر.

لم تقلق إسلام إذ إن محطتها الإذاعية لم تكن سياسية ومن غير المرجح أن تكون مستهدفة.

لم يكن الأمر هكذا.

إن برج الباشا ذا الطوابق الثلاثة عشر حيث تقع محطتها كله كان هو الهدف.  ففي الساعة الرابعة صباحاً أطلق الإسرائيليون متفجرات حطمت  البرج بكامله وحولته إلى ركام.

زارت إسلام أنقاض الاستوديو وحاولت عبثاً العثور على أي من بقايا حلمها. لا ميكروفون ولا ورقة ولا أي من الجوائز واللوحات التي قدمت إلى المحطة اليافعة. شاركت إسلام في عدد قليل من الإحتجاجات لكنها بقيت مكتئبة لأسابيع عدة.

ولكن آمال إسلام انتعشت عندما اجتمع الأصدقاء والزملاء معاً وبدأت الجهود لحشد التمويل باستخدام تطبيق indiegogo العالمي على أمل جمع ما يكفي من الأموال للعودة إلى البث.  هذه المرة، تقول إسلام، إن حلمها هو إقامة إذاعة FM بصورة مباشرة.  وفي هذه الأثناء، فإن حلم إسلام الآخر بزيارة الضفة الغربية حتى ولو لبضعة أيام لا يزال قائماً.

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .