أغسطس 05 2013

لماذا يتردد الفلسطينيون في الإبتسام؟

نشرت بواسطة الساعة 1:19 م تحت فئة مقالاتي,أميركا والشرق اﻷوسط,السياسة الفلسطينية -

* بقلم داود كتاب

 لغة الجسد لآخر صورتين لمسؤولين أميركيين وإسرائيلين وفلسطينيين لها صوت مدوٍّ.  في الصورة الأولى ظهر الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى جانب وزير الخارجية الأميركية جون كيري والرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز. تم التقاط هذه الصورة خلال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد في البحر الميت.  وكان خلال هذا المؤتمر أن كيري طرح الخطة الاقتصادية (الجزرة) التي شملت هدف جمع ما يصل إلى 4 مليارات دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني. الصورة الثانية اتخذت في المؤتمر الصحفي الإفتتاحي في واشنطن لاستئناف محادثات السلام الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة.  تضمنت الصورة بالإضافة إلى وزير الخارجية كيري، المفاوض الفلسطيني صائب عريقات ووزيرة العدل الإسرائيلي تسيبي ليفني.

في كلتي الصورتين، هناك منحىً يمكن أن يلاحظه المرء بسهولة. فقد أنار المشاركون الإسرائيليون الصورة بأعرض ابتسامة ممكنة، تلتها ابتسامة الأميركيين وأخيراً يبدو المشارك الفلسطيني أنه مضطر أن يبتسم ابتسامة مصطنعة تشبه ابتسامة الموناليزا.

من السهل أن نفهم لماذا ابتسم الإسرائيليون في منطقة البحر الميت وفي واشنطن. لقد حصلوا أخيراً على عامل حاسم كانوا يطالبون به ألا وهو مظهر المحادثات.  وقد علّق كثيرون أن الجانب الإسرائيلي يبدي اهتماماً أكبر في عملية محادثات السلام أكثر من السلام ذاته.  إن فرصة التقاط صورة المحادثات مع الفلسطينيين تبدو لأول وهلة أنها تغسل الإسرائيلين من كل الذنوب التي تراكمت لكونهم دولة محتلة تحتجز شعباً آخراً ضد إرادته لمدة 46 سنة من الاحتلال العسكري المذهل.

أما وزير الخارجية الأميركية جون كيري فلديه أسبابه ليبتسم.  فهم كيري بوضوح بعد أن تتبع توجيهات الرئيس أوباما ومشاعره الغريزية الخاصة التي طورها على مدى سنوات باعتباره عضو بارز في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، فهم أهمية التقاط الصورة مع الفلسطينيين والإسرائيليين وهم يتصافحون أو يقفون جنباً إلى جنب.

وبذلك يُطرح السؤال لماذا لم يبتسم الفلسطينيون؟ أو السؤال الأهم بالنسبة لكثيرين وهو لماذا يتواجد الفلسطينيون في نفس الغرفة مع محتليهم دون أن يكونوا قد ضمنوا طريقاً واضحة لإنهاء هذا الاحتلال العسكري القديم للشعب الفلسطيني وهذا الإستعمار لأراضيهم.

 الابتسامة الفلسطينية القسرية ما هي إلا انعكاس لموقف وجد الفلسطينيون أنفسهم فيه لا يحسدون عليه . بعد أن فشل قادة منظمة التحرير الفلسطينية في تحقيق أي شيء مثل التحرير الذي وعدوا أتباعهم  به لعقود، يجدون أنفسهم مضطرين لتناول الفتات الذي يقدمه نظراءهم الأميركيون والإسرائيليون. وبعد أن التزم الرئيس الفلسطيني محمود عباس فيمبداء المفاوضات السلمية ليس لديه خيار سوى إعطاء الضوء الأخضر لإجراء محادثات مباشرة حتى دون أن يحقق جميع المطالب الفلسطينية. ففي هذا المضمار على عباس، كرجل سياسي (وليس ثوري)، أن يقبل  القيود التي تقدمها السياسة الحقيقية في المجتمع الحديث.  ففي اللحظة التي يقرر فيها المرء قبول مسار تفاوضي (بدلا من مسار المقاومة المشكوك فيها وربما غير المستدامة) هناك قيود يكون مجبراً عليها.

بعد أن تعلموا من التجارب السيئة مع الإسرائيليين حاول المفاوضون الفلسطينيون جاهدين الحصول على ثلاثة أشياء قبل البدء بالمحادثات المباشرة وهي تجميد الاستيطان وتحديد معايير المحادثات باعتماد حدود عام 1967 والحصول على الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين المأسورين قبل اتفاقات أوسلو للسلام لعام 1993. ويقول الفلسطينيون إن كل من مطالبهم الثلاثة قد تحققت ولو على مستويات مختلفة، وعلى أي حال، لا أحد يحصل على كل مطالبه في المفاوضات. أما بشأن قضية المستوطنات فقد وعد الإسرائيليون بأن تقتصر الأنشطة بالتجمعات الإستيطانية الإسرائيلية الثلاثة التي يأمل الإسرائيليون أن يتم تضمينها في بند تبادل الأراضي المتفق عليه سابقاً في محادثات كامب ديفيد بين ياسر عرفات وإيهود باراك. في حين أن هذا لم يعلن بوضوح ولا علناً يبدو أن الفلسطينيين قبلوا ضمان الولايات المتحدة بتنفيذه بشرط واضح أن الفلسطينيين سوف يخرجون تماماً من المحادثات إن لم يتم احترام هذا التعهد.

بدت قضية الحدود أكثر صعوبة عندما قبل الإميركيون الحجة الإسرائيلية وهي أنه لن يكون هناك شيء للتفاوض حوله إذا أعلن جانب واحد عن موقفه قبل المحادثات. رفض الفلسطينيون في البداية الموقف الأميركي/الإسرائيلي وكان على وزير الخارجية الأميركي تقديم تعهد شفهي وفي وقت لاحق تعهد خطي أن المحادثات (حيث سيكون الأميركيون فيها داخل غرفة المفاوضات في جميع الأوقات) ستتم على أساس حدود عام 1967 كما صرح الرئيس أوباما نفسه في خطاب له في إيباك في عام 2011.

يبدو أن ما ساعد في التأثير على الفلسطينيين كان القرار الملزم من قبل الإتحاد الأوروبي في رفض قبول أي من المنتجات القادمة من المناطق المحتلة في عام 1967 على أنها مصنوعة في إسرائيل وهكذا يعلن بشكل غير مباشر دعم أكبر كتلة غربية حدود عام ال 1967.

 وأخيراً، فإن قضية المسجونين كانت القضية التي أصر عليها الفلسطينيون. اذا كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس مستعد أن يتحمل التداعيات السياسية لذهابه الى محادثات السلام من دون أن يكون قد ضمن تجميد الاستيطان العام والتزاماً إسرائيلياً بحدود عام 1967، يمكن على الأقل أن تساعد دفعة شعبية بشأن إطلاق سراح السجناء على تعزيز مكانته بين المترددين الفلسطينيين.

 في حين أن الإبتسامة الإسرائيلية والأميركية كانت أكثر وضوحاً في الاجتماعات الأخيرة في الأردن وواشنطن، فإن الفلسطينيين المشاركين في المحادثات من غير المرجح أن يبتسموا قبل أن يتمكنوا من تقديم لمواطنيهم المتشككين تغييرات ملموسة على أرض الواقع.

 * الكاتب صحفي فلسطيني

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .