سبتمبر 10 2012

كيف نروي قصتنا الفلسطينية بنجاح في الغرب؟

نشرت بواسطة الساعة 10:45 ص تحت فئة مقالاتي,السياسة الفلسطينية -

بقلم داود كتاب *

يدرك كل من يتابع النضال الفلسطيني من أجل التحرر أن الطريق الوحيد للنجاح في هذه الأيام هو من خلال اتباع نهج اللاعنف.  وقد أعلنت القيادات الفلسطينية بما في ذلك الرئيس عباس ورئيس الوزراء فياض رسمياً ومراراً وتكراراً معارضتها لأي عمل عنيف داعمة بدل من ذلك أعمال المقاومة الشعبية اللاعنفية.  وقد نجحوا مؤخراً حتى في إقناع قادة حركة حماس الإسلامية على أن ينطقوا بعبارة “المقاومة الشعبية” حتى ولو كان هؤلاء الإسلاميون لم يتصرفوا وفقاً لذلك.

يستند المضمون الكامل لهذا الشكل من النضال على الحاجة إلى كسب قلوب وعقول مقاوميك وكذلك أولئك الذين يدعمون أعداءك في البلدان. أي أن اللاعنف يتطلب درجة عالية من الانضباط واستخدام وسائل الإعلام المتطورة والعلاقات العامة.

إن مستوى الدعم لفلسطين في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية  اليوم هو عال جداً.  فقد أعلنت 120 دولة في مؤتمر حركة عدم الإنحياز الذي عقد في إيران الأسبوع الماضي عن دعمهم  لحقوق شعبنا الفلسطيني لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967.  وهذا يعني أن المعركة الحقيقية للدعم الفلسطيني لا تزال في الدول الغربية مثل أوروبا والولايات المتحدة.  وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة هي المفتاح لأي اختراق، فإنه يمكن عمل الكثير إذا ما استطاعت أوروبا أن تحول دعمها الفاتر لفلسطين إلى دعم متكامل تماماً. فعلى سبيل المثال، فإن أوروبا هي الشريك الإقتصادي الأكبر لإسرائيل وليس الولايات المتحدة.

إن عدالة القضية الفلسطينية واضحة.  نجد هنا شعباً تم احتلاله لأكثر من 45 عاماً يطوق ببساطة إلى العيش بحرية في القرن الحادي والعشرين. إن أكثر ما هو مطلوب هو أن يكون الفلسطينيون قادرين على أن يرووا قصتهم بأسلوب قوي ومقنع.  كان الفلسطينيون ولمدة طويلة في الجانب الخاسر من معركة الرواية خاصة في وسائل الإعلام الغربية.  لقد تحدث المفكرون والقادة الفلسطينيين مثل إدوارد سعيد وحنان عشراوي كثيراً عن الحاجة إلى سرد الرواية الفلسطينية التي تحكي القصة الحقيقية والإنسانية لشعب راغب في العيش في حرية وسلام بدلاً من الرواية التي كتبت من قبل الجانب الآخر.

ليس هناك مفر من ضرورة إشراك عدد كبير وأنواع مختلفة من وسائل الإعلام للتمكن من تطوير الرواية الفلسطينية. هناك بعض الشروط الضرورية لكي تنجح هذه المهمة.  ينبغي على الرواية الناجحة أن تكون إنسانية وليس خطابية ولا يمكنها أن تلغي الآخر.  في حين لا يزال الفلسطينيون يعانون من عملية إلغائهم من قبل الآخر، فإنه من المستحيل أن يتم التغلب على ذلك من خلال محاولة تقديم وجهة نظر واحدة؛ إن مطالب الشعب اليوم تتطلب ذلك.

أتيحت مثل هذه الفرصة مؤخراً للفلسطينيين في القدس من خلال فيلم وثائقي فريد من نوعه.  إن مشروع Jerusalem24، الذي يضاهي جهداً مماثلاً تم إنشاؤه في برلين، يهدف إلى سرد  حياة أناس يعيشون في مدينة معينة على مدى 24 ساعة.  لقد تم تصوير أكثر من ثمانين برلينياً في يوم واحد وأذيعت قصصهم لاحقاً في برنامج يسمى برلين 24 على العديد من المحطات التلفزيونية الأوروبية.

وعن طريق تطبيق نفس المفهوم، كانت الفكرة أن يقوم مؤلف مشروع برلين، فولكر هيس،  بالإشراف على الفيلم على أن يتم إنتاجه من قبل توماس كوفس من الشركة الألمانية (زيرو وان). تم تأمين التمويل والبث (بما في ذلك ARTE فرنسا وARTE ألمانيا والتلفزيون الفنلندي)؛ وتم التعاقد مع شركة إسرائيلية وأخرى فلسطينية للإنتاج مع فكرة إيجاد شخصيات من مجتمعاتهم التي سيتم تصويرها في يوم واحد خلال فترة 24 ساعة.  بذل المنتجون الفلسطينيون جهوداً كبيرة للتأكد من أنهم مشمولون تعاقدياً ومالياً مع المنتجين الألمان.  كانت الفكرة أن يأتي المال والتوجيه من المؤلف والمنتج الألمانيان على أن يكون للفلسطينيين حرية اختيار شخصياتهم وقصصهم ومخرجيهم.

كان من المفروض أن يتم التصوير في السادس من أيلول إلا أنه تم تأجيله في اللحظة الأخيرة بسبب دعوة علنية بمقاطعة المشروع، دون التحقق مع الأطراف المشاركة، وذلك من قبل الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) ومقرها رام الله.  واستندت الدعوة للمقاطعة على فهم خاطئ بأن جزءً من التمويل الخاص بالإنتاج الإسرائيلي وعلى وجه التحديد صندوق القدس، سيغطي بطريقة ما الإنتاج الفلسطيني.  اعتبرت المجموعة غير المنتخبة والتي أصدرت الدعوة أن الفيلم ما هو إلا عمل من أعمال التطبيع مع الإسرائيليين.

بمجرد أن المسألة أصبحت علنية، فقد تلا ذلك حملة من التخويف أدت إلى انسحاب المخرجين من المشاركة في الفيلم على الرغم من عرض الأدلة بعكس ما جاء في مضمون الدعوة إلى المقاطعة، وحتى بعد رؤية نوع الشخصيات التي اختارها المنتجون الفلسطينيون والتي من شأنها أن تساعد في تقديم الرواية الفلسطينية بأمانة وإنصاف.  وأضاف المنتجون الفلسطينيون بأن الفيلم كان يمكن أن يروي حياة ما لا يقل عن 28 شخصية فلسطينية تعكس جميع مناحي الحياة وتسرد آلام وتطلعات سكان القدس الشرقية.

وعلى سبيل المثال، هناك قصة العائلة صاحبة المنزل الذي قسمه الجدار الخرساني الإسرائيلي وأخرى عن نشطاء سلوان الذين يواجهون حملة المستوطنين التي تهدف إلى إخراجهم من الحي الذي يسكنون فيه وقصص لفلسطينيين يعيشون في مخيم شعفاط ولمحامين يعملون ضد المحاولات الإسرائيلية لترحيل الفلسطينيين وقصة امرأة تعيش في شيخ جراح وهي التي ذبحت عائلتها في دير ياسين.

ولو تم تصوير هذا الفيلم لشمل أيضاً موسيقيين وفنانين فلسطينيين وفتاة في السادسة من عمرها تذهب إلى المدرسة لأول مرة، كما تم اختيار رجال أكثر المدن غنى.  وكان حرس المسجد الأقصى وقس كاثوليكي فلسطيني وراهبة والأسرة المسلمة التي تحمل مفتاح كنيسة القيامة لقرون عدة، جميعهم كانوا جزء من الفسيفساء التي تشكل القدس الشرقية.

وبطبيعة الحال، فإن Jerusalem 24 كان سيحتوي على شخصيات إسرائيلية، وعدد من الشخصيات الدولية بما في ذلك دبلوماسيين أجانب وصحفيين وأفراد دوليين مختصين في الشأن الإنساني.

  لقد تم إبلاغ مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية ووزراء الثقافة والإعلام في السلطة الفلسطينية عن هذا الفيلم، ولكن على الرغم من أنهم يتفهمون أهمية الفيلم إلا أنهم لم يتمكنوا من التدخل في الوقت المناسب، مما أدى إلى تأجيل تصوير المشروع.

إن القضية الفلسطينية هي قضية عادلة وفعالة، ولكي يتم سرد الرواية الفلسطينية بشكل فعال ومهني فإن على القادة أن يتخذوا دوراً استباقياً لضمان عدم إحباط الجهود الرامية إلى سرد هذه القصة، من قبل الأيدولوجيين الذين يتمسكون بوجهة نظرهم الضيقة في بعض القضايا مثل “التطبيع” بحيث أنهم يفقدون رؤية الصورة الأكبر.

لا يمكن ولا ينبغي على السياسيين أن يتدخلوا في الفن ولكن في الوقت نفسه، ينبغي أن يضمنوا ألا يتم إحباط جهود المبدعين من قبل مجموعة غير منتخبة من الأفراد الذين عينوا أنفسهم حراساً للمجتمع.

• صحفي فلسطيني

لا تعليقات حاليا

خدمة Rss التعليقات

أرسل تعليق

يجب عليك الدخول لإرسال تعليق .