Award-winning Palestinian journalist

انكشاف وتعرّي الصُهيونية المسيحيّة

منذُ عشراتِ السنواتِ والنشطاءُ اللاهوتيونَ المسيحيونَ يناضلونَ في محاولةٍ لتعريةِ الصهيونيةِ المسيحيةِ وإثباتِ أنها لا تعدو أكثرَ من حركةٍ غيرِ ملتزمةٍ بتعليمِ المسيح، الذي أصرَّ في حياتِه كما قرأناها في الأناجيلِ بأن مملكته ليست من الأرض، وقولُ السيدِ المسيحِ إنه يمكن أن يصنعَ من الحجارةِ أبناءَ إبراهيم. فمحاولةُ البعضِ مما نُسميه الصهيونيةَ المسيحيةَ تبريرَ الاحتلالِ والطردِ والإبادةِ وكأنها إرادةُ الرب هي هرطقاتٌ لا أساسَ كتابيًّا لها. وقد رأينا في السنواتِ الماضيةِ نشطاءَ في فلسطين ينظمونَ مؤتمراتٍ مثل مؤتمرِ “المسيح على الحاجز” لكليةِ الكتابِ المقدس، وإصدارَ وثائقَ مثل “كايروس 1” و”كايروس 2″، إضافةً إلى عددٍ كبيرٍ من المقالاتِ والكتبِ وغيرها، كلُّها في محاولةٍ لتعريةِ الصهيونيةِ المسيحية.

إلا أنه رغم كلِّ النشاطِ والدراساتِ اللاهوتيةِ المعتمدةِ على شواهدَ من الكتابِ المقدس، لم تنجح بما يكفي لتغييرِ الطوفانِ الصهيونيِّ المسيحي، الذي أصبح أكثرَ ولاءً لدولةِ الاحتلال حتى من يهودِ أمريكا، ورأينا كيف أن رئيسَ وزراءِ إسرائيل عند زيارتِه لواشنطن يجتمعُ مع قادةٍ مسيحيين صهاينة قبل أن يجتمعَ مع أمريكيين يهود.

الأسابيعُ الأخيرةُ، ومن خلالِ مذيعٍ أمريكيٍّ مؤثرٍ تاكر كارلسون، شهدت محاولةً أكثرَ تأثيرًا في تعريةِ الصهيونيةِ المسيحيةِ وكشفِ زيفِها وبُعدِها عن الكتابِ المقدس، وذلك من خلالِ سلسلةِ لقاءاتٍ كان أولُها قبل مدةٍ مع القس منذر إسحق، ثم لقاءُ المذيعِ مع المطرانِ حسام ناعوم ورجلِ الأعمالِ سعد المعشر، وكما علمنا أيضًا لقاءٌ خاصٌّ مع جلالةِ الملك، تبعها مقابلةٌ قويةٌ ومؤثرةٌ مع إنجيليٍّ أمريكيٍّ القس فارس أبو فرحه، ابنِ بيتِ ساحور، الذي أفرد خلال لقاءٍ دام ساعةً ونصفًا عن تجربتِه الخاصة كطفلٍ ومراهقٍ عاش سنواتِ الانتفاضةِ والقمعِ الإسرائيليِّ الذي طال والدتَه وصديقَه، وفيما بعد كنيسةَ زوجتِه المعمدانيةِ في غزة.

ثم جاءت المواجهةُ الفريدةُ من نوعِها مع سفيرِ أمريكا، الذي تحداه لمعرفةِ رأيِ الصهيونيةِ المسيحية، وقد لبّى كارلسون التحدي رغم تخوفِه من حصولِ أذى له ولفريقِه، فقام بالوصولِ إلى مطارِ اللد من أوروبا بطائرةٍ خاصة، وأجرى لقاءً في المطار بسبب رفضِ السفارةِ توفيرَ حمايةٍ له من مسؤولين إسرائيليين اعتبروه علنًا بأنه نازيٌّ ومعادٍ للسامية. ورغم أن الأمنَ الإسرائيليَّ قام بالتحقيقِ المهينِ مع أحدِ المنتجين المرافقين لتاكر كارلسون، إلا أن الفضيحةَ الكبرى جاءت عندما قام المذيع، وهو نفسه مسيحيٌّ إنجيلي، بتعريةِ الفكرِ الصهيونيِّ المسيحي وإجبارِ السفيرِ الأمريكي على كشفِ عدمِ معارضتِه من الناحيةِ الفكريةِ الصهيونيةِ المسيحيةِ لاحتلالِ إسرائيل لدولِ المشرقِ العربي، تمشيًا مع فكرِه المعوجِّ أن لأحفادِ إبراهيم (طبعًا لم يشمل بذلك العربَ والمسلمين) الحقَّ في الأرضِ من النيلِ إلى الفرات.

إن الضجةَ التي تلت المقابلةَ خلقت حالةً من الانقسامِ في الوسطِ الإنجيلي وحتى في الوسطِ الصهيونيِّ المسيحي، ولكن علينا أن نتذكر أن كلَّ ذلك لم يكن ليحدث لولا اللاهوتيون الفلسطينيونَ والعربُ الذين أصروا على مرجعيةِ الكتابِ المقدسِ الكاملة، والذين أدت كتاباتُهم ومحاضراتُهم وفكرُهم إلى خلقِ الأرضيةِ التي نراها الآن، والتي بدأت بالترجمةِ إلى تغييرٍ فكريٍّ في أكثرِ معاقلِ الصهيونيةِ في أمريكا وغيرها.

كلُّنا أملٌ أن يستمرَّ النقاشُ المبنيُّ على كتابِنا المقدسِ وأقوالِ السيدِ المسيحِ الذي دعانا إلى قدسيةِ الحياةِ ورفضِ القتلِ ومناصرةِ المظلوم، ونحن في ملحِ الأرض سنستمرُّ في نشرِ ومتابعةِ كلِّ ما يتعلقُ بتعريةِ هذا الفكرِ المسيحيِّ المتصهين، والذي لا علاقةَ له برئيسِ المحبةِ والسلامِ ومبغضِ الظلمِ ومناصرِ الفقراء والمهمشين.